تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ} (165)

إن ربكم ، الذي هو رب كل شيء ، هو الذي جعلكم خلفاء للأمم السابقة في عمارة الكون ، ورفعَ بعضَكم فوق بعض درجات في الكمال المادّيّ والمعنويّ ، ليختبركم فيما أعطاكم من النعم كيف تشكرونها ، وفيما آتاكم من الشرائع كيف تعملون بها . لكنه سريع العقاب للمخالفين العاصين .

وهو سبحانه على سرعة عقابه وشديد عذابه للمشركين المخالفين ، غفورٌ للتوابين رحيم بالمؤمنين المحسنين ، فلقد سبقت رحمتُه غضبَه ، ووسعتْ كل شيء .

ختام السورة:

خلاصة ما اشتملت عليه سورة الأنعام من العقائد والأحكام :

1- العقائد وأدلتها ، بأسلوب يجمع بين الإقناع والتأثير ، كبيان صفات الله بذكر أفعاله وسُنته في الخلق ، وآياتهِ في الأنفس والآفاق ، وتأثير العقائد في الأعمال ، مع إيراد الحقائق بطريق الجدَل والمناظرة ، أو على طريق السؤال والجواب ، وفي أثناءِ ذلك يأتي الردّ على شبهات المشركين .

2- الرسالة والوحي وتفنيد مكابرة المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم ، وإلزامهم الحجة بآية الله الكبرى ، وهي القرآن .

3- البعث والجزاء والوعد الوعيد ، بذِكر ما يقع يوم القيامة من العذاب للمجرمين ، والبشارة للمتقين بالفوز والنعيم . هذا مع ذكر عالم الغيب من الملائكة والجن والشياطين والجنة والنار . وقد كان العرب كغيرهم من الأمم يؤمنون بالملائكة وبوجود الجن ، ويعتقدون أنهم يظهرون لهم أحياناً في صورة الغِيلان فيسمعون أصواتهم ، وأنهم يُلقون الشعرَ في هواجس الشعراء .

4- أصول الدين ووصاياه الجامعة في الفضائل والآداب ، والنهي عن الرذائل ، وأن دين الله واحد ، لكنه تم تفريقُه بالمذاهب والأهواء ، وأن سعادة الناس وشقاءهم من أعمالهم النفسيّة والبدنية ، وأن الجزاء على الأعمال يكون بحسب تأثيرها في الأنفس ، فالجزاء على السيئة سيئة مثلها ، وعلى الحسنة عشرة أمثالها ، ولا يحمل أحد ذنْب غيره . ثم يأتي الترغيب في معرفة الكون والإرشاد إلى معرفة سنُن الله فيه ، وآياته الكثيرة الدالّة على علمه وقدرته ، وأن التوبة الصحيحة مع ما يلزمها من العمل الصالح موجبة لمغفرة الذنوب . وابتلاء الناس بعضهم ببعض ، ليتنافسوا في العلوم والأعمال النافعة ، وإعلاء كلمة الحق .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ} (165)

{ وَهُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف الارض } أي يخلف بعضكم بعضاً كلما مضى قرن جاء قرن حتى تقوم الساعة ولا يكون ذلك إلا من عالم مدبر ، وإلى هذا ذهب الحسن ، أو جعلكم خلفاء الله تعالى في أرضه تتصرفون فيها كما قيل والخطاب عليهما عام ، وقيل : الخطاب لهذه الأمة ، وروي ذلك عن السدي أي جعلكم خلفاء الأمم السالفة { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ } في الفضل والغنى كما روي عن مقاتل { درجات } كثيرة متفاوتة { لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا ءاتاكم } أي ليعاملكم معاملة من يبتليكم لينظر ماذا تعملون مما يرضيه وما لا يرضيه .

{ إِنَّ رَبَّكَ } تجريد الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع إضافة اسم الرب إليه عليه الصلاة والسلام لإبراز مزيد اللطف به صلى الله عليه وسلم { سَرِيعُ العقاب } أي عقابه سبحانه الأخروي سريع الإتيان لمن لم يراع حقوق ما آتاه لأن كل آت قريب أو سريع التمام عند إرادته لتعاليه سبحانه عن استعمال المبادىء والآلات . وجوز أن يراد بالعقاب عقاب الدنيا كالذي يعقب التقصير من البعد عن الفطرة وقساوة القلب وغشاوة الأبصار وصم الأسماع ونحو ذلك { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن راعى حقوق ما آتاه الله تعالى كما ينبغي . وفي جعل خبر هذه الجملة هذين الوصفين الواردين على بناء المبالغة مع التأكيد باللام مع جعل خبر الأولى صفة جارية على غير من هي له ما لا يخفى من التنبيه على أنه سبحانه غفور رحيم بالذات لا تتوقف مغفرته ورحمته على شيء كما يشير إليه قوله سبحانه في الحديث القدسي «سبقت رحمتي غضبي » مبالغ في ذلك فاعل للعقوبة بالعرض وبعد صدور ذنب من العبد يستحق به ذلك ، وما ألطف افتتاح هذه السورة بالحمد وختمها بالمغفرة والرحمة نسأل الله تعالى أن يجعل لنا الحظ الأوفر منهما إنه ولي الأنعام وله الحمد في كل ابتداء وختام .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَهُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف الأرض } بأن جعلكم له مظهر أسمائه { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات } في تلك المظهرية لأنها حسب الاستعداد وهو متفاوت { لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتاكم } ويظهر علمه بمن يقوم برعاية ما آتاه وبمن لا يقوم { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب } لمن لم يراع { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ الأنعام : 165 ] لمن يراعي ذلك ، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمراضيه ويجعل مستقبل حالنا خيراً من ماضيه( {[285]} ) .


[285]:- في أصل المؤلف رحمه الله تعالى من الجزء الثاني من تقسيمه دعاء لسلطان وقته وزمانه فحذفناه لعدم الحاجة إليه الآن وأسأل الله تعالى أن يقوي شوكة المسلمين وأن يوفقهم للعمل بالشرع ويهديهم.