تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ} (84)

السفك : إراقة الدماء .

التظاهر : التعاون . الإثم ، العدوان : تجاوز الحد في الظلم .

ذكّر الله بني إسرائيل في الآية السابقة بما أُمروا به من عبادة الله وحده والاحسان إلى الوالدين وذوي القربى ، وأن يعاشروا الناس جميعاً بالحسنى . .

ثم بيّن أنهم لم يطيعوا ما أُمروا به وتولَّوا وهم معرضون . وهنا يمضي السياق فيقص علينا عن حال اليهود ومواقفهم التي تجلى فيها العصيان ، ويذكّرهم بأهم الأمور التي نُهوا عنها وقد أخذ الله عليهم العهد باجتنابها .

والخطاب هنا لليهود في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، فقد كانوا في المدينة ثلاثة أحياء : بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج ، وبنو قريظة حلفاء الأوس . وكان العداء بين الأوس والخزرج مستحكما ، فهم في أغلب الأحيان في حرب دائمة . إذ ذاك كان يقاتل كلُّ فريق مع حلفائه ، فيقتل اليهودي أعداءه وبينهم اليهودي من الفريق الآخر .

وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله . وكانوا يخرجونهم من ديارهم إذا غُلب فريقهم وينهبون أموالهم ويأخذون سباياهم . وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم . ثم إذا انتهت الحرب يَفدون الأسارى ، ويفكّون أسر المأسورين من اليهود ، عملاً بحكم التوراة .

هذا هو التناقض الذي يواجههم به القرآن ، وهو يسألهم باستنكار شديد { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } ؟ إن الكتاب ينص على تحريم القتل والإخراج من الديار وأنتم تنقضون ذلك .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ} (84)

قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكن من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون . ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون . أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون } كان مما أوجبه الله على بني إسرائيل في التوراة ألا يسفكوا دماء بعضهم بعضا ، وألا يخرجوا بعضهم من ديارهم . وقد نسب فعل السفك والإخراج للمخاطبين أنفسهم ، وكأنما هم أنفسهم يسفكون دماءهم بأنفسهم ، وكذلك يخرجون أنفسهم بأنفسهم من ديارهم ، والأصل في ذلك أن الأمة ذات الملة السماوية واحدة . هي أمة متحدة متعاونة كمثل الجسد الواحد المترابط الذي يشد بعضه بعضا ، فإن يشتكي كل جزء فيه لاشتكاء أي جزء سواه . وعلى هذا الأصل فإن الذين ينتسبون إلى الملة السماوية الواحدة يؤلفون من البشر المجموعة المتجانسة المتراصة التي لا تفرق بينها أنانيات ، ولا تشقها أحقاد أو عصبيات ، حتى إن الواحد من هذه الأمة إذا أوقع في غيره أذية فكأنما أوقع ذلك في نفسه بالذات ، وأيما مجموعة من أهل الملة الواحدة التي تقوم على التوحيد ، آذت غيرها كانت كمن يعتدي على نفسه ويلحق بذاته الشر والمكروه .

وقوله : { تسفكون } من السفك وهو الإراقة والصب . أما الديار فمفردها دار هي وهي مؤنثة سميت بذلك ؛ لدورانها حول البيت الذي يقام فيها .

قوله : { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } إقرارهم كان واقعا على الميثاق الذي طوقوا به أنفسهم وكانوا على ذلك شهودا .