تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ} (77)

أسرِ بعبادي : سر بهم ليلا .

اضرب لهم طريقا في البحر يَبَسا : افتح لهم طريقا يابسا لا ماء فيه .

لا تخاف دَرْكا : لا تخاف أن يلحقك احد .

دركا : لَحقا .

لم يذكر في هذه السورة ما الذي حصل بعد مواجهة موسى لفرعون وقومه حيث آمن السحرة وبنو اسرائيل ( ولقد فصّل ذلك في سورة أخرى ) وإنما انتقل الكلام هنا الى الهجرة والنصر الكبير الذي حصل عند عبور البحر وغرقِ فرعون وجنوده . ثم أتبع ذلك بتعدادِ نعمه على بني اسرائيل ، وذكّره بأن يكونوا معتدلين فلا يأتوا أعمالاً توجب غضبه وأنه غفار لمن تاب وآمن .

وأوحى الله الى موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا ، وأن يشقّ لهم طريقا في البحر ، وطمأَنه أن لا يخاف من فرعون فإنه لن يدركهم .

وضرب موسى بعصاه البحر ، فانشق شقَّين ، كل جانب كأنه طودٌ عظيم كما جاء في

سورة الشعراء { فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم } ، واجتازه موسى ومن معه . قراءات :

قرأ حمزة : لا تخف دركا . والباقون : لا تخاف دركا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ} (77)

قوله تعالى : { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ( 77 ) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ( 78 ) وأضل فرعون قومه وما هدى ( 79 ) } .

هذه آيات قصار وقلائل يتدفق من خلالها الإعجاز الظاهر المستعذب . إعجاز ندي وكريم يستشرفه القارئ بفطرته السليمة ليجد فيه من حلاوة النغم وعذوبة الإيقاع ما يثير الوجدان والخاطر ، ويملأ القلب والخيال بهجة وسكينة ، لفرْط ما يتجلى في هذا النظم العجيب من جمال الكلم ، بألفاظه المميزة المصطفاة ، وحروفه الشجية الندية التي تفيض على الجو والخيال ظلالا من النسائم الروحية العطرة . فلكأن القارئ الذي يعشق مثل هذا النظم الباهر يستشعر في أعماقه بنُقلة روحية ونفسية وذهنية يتملاها الخيال ويعشقها الحس . فيا لله لهذا الكلام الرباني العجيب .

أما المعنى للآية : فإنه لما قضى الله أن يهلك فرعون وجنوده الظالمين أمر رسوله موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلا فيأخذ بهم طريق البحر . ولما وصل موسى وبنو إسرائيل البحر ، وفرعون يتبع أثرهم بجنوده حتى إذا تراءى الجمعان ، أصاب بني إسرائيل الهلع والذعر ؛ إذ ظنوا حينئذ انه لا منجاة لهم ولا ملجأ ، يفرون إليه ، فالبحر من أمامهم ، وفرعون وجنوده من ورائهم ، لكن الله نصير المؤمنين الصابرين ومغيث المكروبين المظلومين ، ومعز رسله الأبرار الطاهرين ، قد أمر نبيه وكليمه موسى أن يضرب للبحر بعصاه . وهو قوله : ( فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ) يبسا منصوب على أنه صفة لقوله : ( طريقا ) وهو مصدر . نقول : يبس يبسا ويُبسا أي لا ماء فيه ولا طين .

لقد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق منه اثنا عشر طريقا يابسا لا ماء فيه ولا طين وبين كل طريقين ماء قائم كالجبال وهو قوله في آية ثانية ( فكان كل فرق كالطود العظيم ) أي الجبل الكبير . فأخذ كل سبط من بني إسرائيل طريقا يمشي فيه آمنا سالما من كل مكروه ، لا جرم أن هذا من أعظم المعجزات التي امتنّ الله بها على بني إسرائيل .

قوله : ( لا تخاف دركا ) الجملة الفعلية في موضع نصب على الحال . والتقدير : فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ؛ أي غير خائف إدراك فرعون{[2976]} والدرك والإدراك بمعنى اللحاق .

قوله : ( ولا تخشى ) أي لا تخشى من البحر أن يغشاكم . فلا فرعون يدرككم ولا البحر مغرقكم أو مطبق عليكم . ولكنكم آمنون سالمون وستمضون وسط البحر فوق اليبس في منجاة من كل سوء أو مكروه .


[2976]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 150.