تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ} (113)

سواء : متساوٍ ، يُستعمل للواحد والمثنى والجمع .

قائمة : مستقيمة عادلة .

آناء الليل : ساعات الليل .

قال ابن عباس وقتادة وابن جريْج : نزلت هذه الآيات لما أسلم عبد الله بن سلام وجماعة معه . فقالت أحبار اليهود : ما آمن بمحمد إلا شِرارنا .

ليس جميع أهل الكتاب متساوين في الأعمال القبيحة والكفر ، بل إن فيهم جماعة قويمة السيرة عادلة ، آمنوا بمحمد ، وهم يقرأون القرآن ساعات من الليل وهم ساجدون .

في هذه الآيات ردٌّ على اليهود المتعنتين الذين قالوا لمن أسلم منهم : لقد خسرتم بدخولكم في الإسلام ، وفيها إشارة إلى المؤمنين وتطمينٌ لهم أنهم فازوا بالسعادة العظمى والدرجات العليا ، كي يزول من صدورهم أثر كلام أولئك الطغاة المتمردين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ} (113)

قوله تعالى : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين ) .

جاء في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس أنهما فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم ، فقالت أحبار اليهود : ما آمن لمحمد إلا شرارنا ، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم . وقالوا لهم " خنتم حين استبدلتم بدينكم دينا غيره فأنزل الله ( ليسوا سواء من أهل الكتاب ) {[568]} والوقف على سواء . وبذلك فإن قوله : ( ليسوا سواء ) والمراد أنه لما وصف أهل الكتاب في الآية السابقة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك من حيث المذمة والسوء ، بل فيهم من يتصف بالصفات الحميدة والخصال الجيدة .

إذا تبين ذلك فقد مدح الله الفئة المؤمنة من أهل الكتاب ممن آمن من اليهود برسالة الإسلام بعدة صفات هي :

أولا : أنها قائمة ، أي مستقيمة عادلة . وذلك من قولك : أقمت السيف فقام أي استقام .

ثانيا : التلاوة وذلك في قوله : ( يتلون آيات الله آناء الليل ) والمراد بالآيات المتلوة هنا آيات القرآن . وقيل غير ذلك .

وقوله : ( آناء الليل ) الآناء بمعنى الأوقات والساعات منصوب على الحال . وواحدها : أنا ، وإنْي بكسر الهمز وسكون النون .

ثالثا : السجود . وذلك في قوله : ( وهم يسجدون ) في تأويل ذلك وجهان :

أحدهما : يحتمل أن تكون الآية ( وهم يسجدون ) حالا من التلاوة كأنهم يقرأون القرآن في السجود مبالغة في الخضوع والخشوع . واستبعد بعضهم ذلك ؛ لأن التلاوة لا تكون في الركوع والسجود .

ثانيهما : يحتمل أن يكون ذلك كلاما مستقلا . فيكون تقدير الكلام أن من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم وهم مع ذلك يسجدون فيها . فالسجود هو السجود المعروف .

رابعا : الإيمان بالله واليوم الآخر . وذلك في قوله : ( يؤمنون بالله واليوم الآخر ) أي يصدقون بالله وبالبعث بعد الممات ويعلمون أن الله مجازيهم بأعمالهم .

خامسا : الأمر بالمعروف والنهي عن النكر . وذبك في قوله : ( ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) أي أنهم يدعون الناس إلى توحيد الله وتصديق محمد صلى الله عليه و سلم وينهونهم عن الشرك بالله وعن إنكار نبوة محمد صلى الله عليه و سلم . فهم ليسوا كاليهود والنصارى الذين يأمرون الناس بالكفر وتكذيب محمد فيما جاءهم به ، وينهونهم عن المعروف وهو تصديق محمد صلى الله عليه و سلم فيما أتاهم به من عند الله .

سادسا : المسارعة في الخيرات . وذلك في قوله : ( ويسارعون في الخيرات ) أي أنهم يبتدرون فعل الخيرات خشية الفوت بالموت .

سابعا : الصلاح . وذلك في قوله : ( وأولئك من الصالحين ) أي أن هؤلاء الموصوفين بما وصفوا به من مزايا الخير هم من جملة الذين صلح حالهم في ميزان الله فكانوا من الفائزين ، لا جرم أن ذلك غاية في المدح والتكريم .


[568]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 78.