البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{۞لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ} (113)

الآناء : الساعات .

وفي مفردها لغات أني كمعى ، وأنى كفتى ، وأنى كنحى ، وأتى كظبى ، وانو كجرو .

{ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة } سببت النزول إسلام عبد الله بن سلام وغيره من اليهود ، وقول الكفار من أحبارهم : ما آمن بمحمد إلا شرارنا ، ولو كانوا خياراً ما تركوا دين آبائهم قاله : ابن عباس ، وقتادة ، وابن جريج .

والواو في ليسوا هي لأهل الكتاب السابق ذكرهم في قوله : { ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون }

والأصح : أن الواو ضمير عائد على أهل الكتاب ، وسواء خبر ليس .

والمعنى : ليس أهل الكتاب مستوين ، بل منهم من آمن بكتابه وبالقرآن ممن أدرك شريعة الإسلام ، أو كان على استقامة فمات قبل أن يدركها .

ومن أهل الكتاب أمة قائمة : مبتدأ وخبر .

وقال الفراء : أمة مرتفعة بسواء ، أي ليس أهل الكتاب مستوياً من أهل الكتاب أمة قائمة موصوفة بما ذكر وأمة كافرة ، فحذفت هذه الجملة المعادلة ، ودل عليها القسم الأول كقوله :

عصيت إليها القلب إني لأمره *** سميع فما أدري أرشد طلابها

التقدير : أم غي فحذف لدلالة أرشد وقال :

أراك فما أدري أهم ضممته *** وذو الهم قدماً خاشع متضائل

التقدير : أم غيره .

قال الفراء : لأن المساواة تقتضي شيئين : سواء العاكف فيه والبادِ سواء محياهم ومماتهم .

ويضعف قول الفراء من حيث الحذف .

ومن حذف وضع الظاهر موضع المضمر ، إذ التقدير : ليس أهل الكتاب مستوياً منهم أمة قائمة كذا ، وأمة كافرة .

وذهب أبو عبيدة : إلى أن الواو في ليسوا علامة جمع لا ضمير مثلها ، في قول الشاعر :

يلومونني في شراء النخي *** ل قومي وكلهم ألوم

واسم ليس : أمّة قائمة ، أي ليس سواء من أهل الكتاب أمّةً قائمة موصوفة بما ذكروا أمة كافرة .

قال ابن عطية : وما قاله أبو عبيدة خطأ مردود انتهى .

ولم يبين جهة الخطأ ، وكأنه توهم أن اسم ليس هو أمة قائمة فقط ، وأنه لا محذوف .

ثمّ إذ ليس الغرضُ تفاوت الأمة القائمة التالية ، فإذا قدر ثم محذوف لم يكن قول أبي عبيدة خطأ مردوداً .

قيل : وما قاله أبو عبيدة هو على لغة أكلوني البراغيث ، وهي لغة رديئة والعرب على خلافها ، فلا يحمل عليها مع ما فيه من مخالفة الظاهر انتهى .

وقد نازع السهيلي النحويين في قولهم : إنها لغة ضعيفة ، وكثيراً ما جاءت في الحديث .

والإعراب الأول هو الظاهر .

وهو : أن يكون من أهل الكتاب أمةٌ قائمة مستأنف بيان لانتفاء التسوية كما جاء { يأمرون بالمعروف } بياناً لقوله : { كنتم خير أمة } والمراد بأهل الكتاب واليهود والنصارى .

وأمة قائمة أي مستقيمة من أقمت العود فقام ، أي استقام .

قال مجاهد والحسن وابن جريج : عادلة .

وقال ابن عباس وقتادة والربيع : قائمة على كتاب الله وحدوده مهتدية .

وقال السدي : قانتة مطيعة ، وكلها راجع للقول الأوّل .

وقال ابن مسعود والسدي : الضمير في ليسوا عائد على اليهود .

وأمة محمد صلى الله عليه وسلم إذ تقدم ذكر اليهود وذكرُ هذه الأمة في قوله : « كنتم خير أمة » .

والكتاب على هذا القول جنسُ كتب الله ، وليس بالمعهود من التوراة والإنجيل فقط .

والمراد بقوله : من أهل الكتاب أمة قائمة أهل القرآن .

والظاهر عود الضمير على أهل الكتاب المذكورين في قوله : { ولو آمن أهل الكتاب } لتوالي الضمائر عائدة عليهم فكذلك ضمير ليسوا .

وقال عطاء : من أهل الكتاب أمة قائمة الآية يريد أربعين رجلاً من أهل نجران من العرب ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم ، كانوا على دين عيسى وصدقوا محمداً صلى الله عليه وسلم .

وكان ناس من الأنصار موحدين ويغتسلون من الجنابة ، ويقومون بما عرفوا من شرائع الحنيفية قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى جاءهم منه أسعد بن زرارة والبراء بن معرور ومحمد بن مسلمة وقيس بن صرمة بن أنس .

{ يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون } وصف الأمة القائمة بأنها تالية آيات الله ، وعبَّر بالتلاوة في ساعات الليل عن التهجد بالقرآن .

وقوله : وهم يسجدون جملة في موضع الصفة أيضاً معطوفة على يتلون ، وصفهم بالتلاوة للقرآن وبالسجود .

فتلاوة القرآن في القيام ، وأما السجود فلم تشرع فيه التلاوة .

وجاءت الصفة الثانية اسمية لتدل على التوكيد بتكرر الضمير وهو هم ، والواو في يسجدون إذ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد .

وأخبر عن المبتدأ بالمضارع ، وجاءت الصفة الأولى بالمضارع أيضاً لتدل على التجدد ، وعطفت الثانية على الأولى بالواو لتشعر بأن تلك التلاوة كانت في صلاة ، فلم تكن التلاوة وحدها ولا السجود وحده .

وظاهر قوله : آناء الليل أنها جميع ساعات الليل .

فيبعد صدور ذلك أعني التلاوة والسجود من كل شخص شخص ، وإنما يكون ذلك من جماعة إذْ بعضُ الناس يقوم أول الليل ، وبعضهم آخره ، وبعضهم بعد هجعة ثم يعود إلى نومه ، فيأتي من مجموع ذلك في المدن والجماعات استيعاب ساعات الليل بالقيام في تلاوة القرآن والسجود ، وعلى هذا كان صدر هذه الأمة .

وعرف الناس القيام في أول الثلث الأخير من الليل ، أو قبله بقليل ، والقائم طول الليل قليل ، وقد كان في الصالحين مَنْ يلتزمه ، وقد ذكر الله القصد في ذلك في أول المزمل .

وآناء الليل : ساعاته قاله الربيع وقتادة وغيرهما .

وقال السدي : جوفه وهو من إطلاق الكل على الجزء ، إذ الجوف فرد من الجمع .

وعن منصور : أنها نزلت في المصلين بين العشاءين ، وهو مخالف لظاهر قوله : { يتلون آيات الله آناء الليل } .

وعن ابن مسعود : أنها صلاة العتمة .

وذكر أنّ سبب نزولها هو احتباكُ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العتمة وكان عند بعض نسائه فلم يأت حتى مضى الليل ، فجاءوا منّ المصلي ومنا المضطجع فقال : « أبشروا فإنه ليس أحد من أهل الكتاب يصلي هذه الصلاة » ولهذا السبب ذكر ابن مسعود أن قوله : ليسوا سواء عائد على اليهود وهذه الأمة ، وهو خلاف الظاهر .

والظاهر من قوله : وهم يسجدون أنه أريد به السجود في الصلاة .

وقيل : عبر بالسجود عن الصلاة تسمية للشيء بجزء شريف منه ، كما يعبر عنها بالركوع قاله : مقاتل ، والفراء ، والزجاج .

لأن القراءة لا تكون في الركوع ولا في السجود ، فعلى هذا تكون الجملة في موضع الحال ، أي يتلون آيات الله متلبسين بالصلاة .

وقيل : سجود التلاوة .

وقيل : أريد بالسجود الخشوع والخضوع .

وذهب الطبري وغيره إلى أنها جملة معطوفة من الكلام الأوّل ، أخبر عنهم أيضاً أنهم أهل سجود ، ويحسِّنُهُ أنْ كانت التلاوة في غير صلاة .

ويكون أيضاً على هذا التأويل في غير صلاة نعتاً عدد بواو العطف ، كما تقول : جاءني زيد الكريم والعاقل .

وأجاز بعضهم في قوله : وهم يسجدون أن يكون حالاً من الضمير في قائمة ، وحالاً من أمة ، لأنها قد وصفت بقائمة .

فتلخص في هذه الجملة قولان : أحدهما : أنها لا موضع لها من الإعراب ، بأن تكون مستأنفة .

والقول الآخر : أن يكون لها موضع من الإعراب ويكون رفعاً بأن يكون في موضع الصفة ، أو بأن يكون نصباً بأن يكون في موضع الحال ، إما من الضمير في يتلون ، أو من الضمير في قائمة ، أو من أمة .

ودلت هذه الآية على الترغيب في قيام الليل ، وقد جاء في كتاب الله : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } { أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً } { يا أيها المزمّل .

قم الليل } وفي الحديث : « يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فتركه وقبه ، نعم الرجل عبد الله إلا أنه لا يقوم من الليل » وغير ذلك كثير .

وعن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب قال : إنا نجد كلاماً من كلام الرب عزّ وجل : أيحسب راعي إبل وغنم إذا جنه الليل انجدل كمن هو قائم وساجد الليل .

/خ120