تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا} (2)

اليتيم : من مات أبوه وهو صغير قاصر .

حوباً كبيراً : إثما عظيما .

ظهرت العناية باليتامى في القرآن الكريم منذ أول نزول الوحي ، واستمر يوصي بهم إلى أواخر نزول القرآن . وقد وردت آيات كثيرة توصي باليتيم والمحافظة على ماله حتى جعل بعضُها من يظلم اليتيم ويقصّر في حقه كأنه يكفر بالله ويكذّب بيوم الدين .

في هذه السورة العظيمة جاءت الآيات تأمر بالمحافظة على أموال اليتامى والقيام بحقوقهم ، ثم تشدّد في التحذير من إهمال ذلك . وقد مهدت لهذه الأحكام في آيتها الأولى ، فطلبت تقوى الله ، والتقوى في الرحم ، وأشعرت الناس أنهم جميعا من نفس واحدة ، فاليتيم رحمُهم وإن كان من غير أسرتهم .

وبعد هذا التمهيد الجميل أمرَهم الله بحفظ أموال اليتامى حتى يتسلموها كاملة عندما يبلغون سنّ الرشد ، كما حذّرهم من الاحتيال في مبادلة الطيب المختار من مال اليتيم بالرديء الخبيث من أموال الوصي عليه ، أو خلط أموالكم بأموال اليتامى . وقد عبر عن هذا بالأكل { وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ } . فإن لجأتم إلى التحايل بالمبادلة ، أو الأكل تحت شعار الخلط ، فاعلموا { إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } أي ذنْباً عظيماً ، فاجتنبوه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا} (2)

قوله تعالى : ( وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ) .

يأمر الله الأولياء والأوصياء أن يعطوا اليتامى أموالهم . والمقصود باليتامى هنا الذين كانوا أيتاما فيما مضى ثم بلغوا الرشد ، إذ لا يجوز أن تدفع الأموال لليتامى حال يتمهم فإن في ذلك تبديدا وتضييعا لها . وعلى ذلك فإن المقصود في الآية الذين كانوا أيتاما ، وذلك كقوله تعالى : ( فألقي لسحرة ساجدين ) إذ لا يسجد السحرة ماداموا على حالهم من الضلالة والشرك ، ولكنهم سحرة باعتبار ما كانوا عليه من السحر والشرك قبل الإيمان . وكذلك كان يقال للنبي ( ص ) حال كبره ونبوته : " يتيم أبى طالب " وذلك بالنظر ليتمه ؛ إذ كان صغيرا .

قوله : ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) الخبيث والطيب هما صفتان للمال . والمقصود بالخبيث المال الزيف الهزيل أو الرديء الذي تعزف عنه النفس . أما الطيب فهو المال الجيّد المرغوب .

والله سبحانه ينهى الأولياء والأوصياء الذين يرعون اليتامى أن يأكلوا أموالهم الجيدة رغبة منهم فيها ليبذلوا مكانها أموالا رديئة ويقولوا : أموال بأموال . فإن ذلك لا يعدو أن يكون ضربا من التحايل الذي يدفع إليه الطمع والشهوة الجامحة في جمع المال . وذلك حرام بغير شك .

وقيل : الخبيث هو مال اليتيم إذا أكلتموه بغير حق . والطيب هو مالكم الحلال المشروع . أي لا تتبدلوا أموال اليتامى لتأكلوها خبيثة بدلا من أموالكم وهي حلال .

قوله : ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) . أي لا تخلطوا أموالهم بأموالكم فتنفقوا من الخليط بغير تمييز واضح لتضيع أموال اليتامى . فإن خلط أموالهم بأموال الأوصياء طريق التفريط والتبديد بغير داع أو حاجة . وقد كانوا يخلطون أموالهم بأموال اليتامى دون تحرج حتى نزلت هذه الآية فانتهوا عن الخلط خشية الوقوع في الحرام .

وقد قيل : إن النهي عن الخلط قد نسخ بقوله : ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) مما جعل الأوصياء لا يتحرجون من خلط أموالهم بأموال اليتامى عندهم . ولعل الصواب أن نعتبر الآية في النهي موضحة على نحو أكبر بالآية الأخرى في جواز الخلط وليست منسوخة . فإن النسخ عملية إبدال حكم بحكم آخر يقوم مقامة تماما . لكن الوارد هنا أن النهي قد وقع على الخلط الذي تضيع فيه أموال اليتامى فيأكلها من ضم اليتيم إليه . وذلك فيه من سوء النية وفساد القصد ما هو مبين . أما إذا وقع الخلط بغير النية في التعدي على مال اليتيم فإن ذلك ما لا بأس فيه ولا حرج عندئذ في خلط المالين معا .

قوله : ( إنه كان حوبا كبيرا ) والحوب الكبير متعلق بخلط المال بنية سيئة . يقال : حاب الرجل حوبّا أي أثم . ويقال في الدعاء : اللهم اغفر لي حوبتي أي إثمي . وتأتي الحوبة بمعنى الحاجة أيضا{[686]} .


[686]:ـ المصباح المنير ج 1 ص 168 وتفسير النسفي ج 1 ص 205 وفتح القدير ج 1 ص 418.