تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (121)

غدوت : خرجت مبكرا .

تبوِّىء : تُهيّىءُ وتعيّن مراكز القتال للمسلمين .

وقعة أحُد

من هذه الآيات إلى ستين آية بعدها يعالج التنزيل وقعة أُحُد . ويتخلل ذلك تذكيرُ المؤمنين كيف نصرهم الله يوم بدر ، لأنهم أطاعوا الله ورسوله وكانوا يداً واحدة . أما معركة أحد فقد بدأت بالنصر للمؤمنين ، وانتهت بالدائرة عليهم ، لأنهم عصوا أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام . وكانت المعركة كارثة كادت تمحو المسلمين لولا فضل من الله .

اذكر يا محمد ، إذ خرجت مبكراً ( صباح السبت ، سابع شوال ، سنة ثلاث للهجرة ) تهيّئ أمكنة القتال للمؤمنين . يومذاك رتب الرسول الناس فجعل الرماة في موضع مرتفع ( وهم خمسون رجلا ) ، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير وأفهمه وأصحابه أن يلزموا مراكزهم ، وأن لا يفارقوه أبدا مهما كانت نتيجة المعركة . كذلك رتب الفرسان في أماكنهم وعيّن لبقية المقاتلين مراكزهم . ودارت المعركة ، وانهزم المشركون ، فقال الرماة المسلمون : لقد انهزم المشركون . لذلك تركوا مراكزهم رغم أمر الرسول ألا يبرحوها ، وقالوا : الغنيمةَ الغنيمة . ولقد نبههم أميرهم إلى خطأهم فلم يسمعوا وذهبوا في طلب الغنيمة . بذلك كشفوا ظهر المسلمين . وعندئذٍ جاء خالد بن الوليد ، آمر فرسان المشركين ، وكرّ على المسلمين من ورائهم وأَعمل فيهم السيف . ورجع المشركون حين رأوا خالداً والفرسان قد أحاطوا بالمسلمين ، وانقلبت المعركة ، وكثر القتل ، واستشهد عدد من المسلمين وجُرح النبي صلى الله عليه وسلم . وكل ذلك بسبب مخالفة المسلمين لأوامر رسول الله .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (121)

قوله تعالى : { وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال } . قال الحسن : هو يوم بدر ، وقال مقاتل : يوم الأحزاب ، وقال سائر المفسرين : هو يوم أحد ، وقال مجاهد والكلبي والواقدي : غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة رضي الله عنها يمشي على رجليه إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوم القدح . قال محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما :إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول -ولم يدعه قط قبلها-فاستشاره ، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار : يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم ، فو الله ما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا ، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه ، فكيف وأنت فينا ؟ فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين . فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي . وقال بعض أصحابه : يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب ، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أني رأيت في منامي بقراً مذبوحة فأولتها خيراً ، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولتها هزيمةً ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة - وكان يعجبه أن يدخلوا عليه بالمدينة- فيقاتلوا في الأزقة . فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد ، اخرج بنا إلى أعدائنا ، فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من حبهم للقاء القوم ، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته ، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا ، وقالوا : بئس ما صنعنا ، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه ! فقاموا واعتذروا إليه وقالوا : اصنع ما رأيت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل ، وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس ، فراح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة بعدما صلى بأصحابه الجمعة ، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم ، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة فكان من حرب أحد ما كان فذلك قوله تعالى( وإذ غدوت من أهلك ) أي واذكر إذا غدوت من اهلك تبوىء : تنزل المؤمنين مقاعد للقتال : أي مواطن ومواضع للقتال ، يقال بوأت القوم إذا وطنتهم ، وتبوؤوا هم إذا تواطئوا قال الله تعالى( ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ) وقال ( أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ) وقيل تتخذ معسكراً .

قوله تعالى : { والله سميع عليم } .