رضي الله عنهم : قبلِ طاعتهم . ورضوا عنه : بما أفاض عليهم من نعمة . بعد تصنيف الأعراب إلى مؤمنين ومنافقين ، صنف الله تعالى المجتمع كله حاضِرَه وبادِيَة إلى أربع طبقات :
الأولى : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .
الثانية : المنافقون الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة والأعراب .
الثالثة : الذين خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا .
والرابعة : الذين أرجئ الحكم في أمرهم حتى يقضي الله فيهم بقضائه . ستأتي في الآية ( 106 ) .
{ والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ . . . } .
هؤلاء هم الطبقة الأولى : السابقون من المهاجرين الذين لاقوا من الشدائد والعذاب والاضطهاد ما اضطرهم إلى الهجرة ، والسابقون من الأنصار ، الذي آووا الرسول ونصروه ، والذين اتبعوهم بإحسان . هذه الطبقة بمجموعاتها الثلاث هم القاعدة الأساسية للمجتمع المسلم . هؤلاء جميعا رضي الله عنهم في إيمانهم وإسلامهم ، فقبِلَ طاعتهم وسيجزيهم أحسنَ الجزاء ، ورضوا عنه بالاطمئنان إليه ، والثقة بقدَره .
ولذلك { وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذلك الفوز العظيم } .
وهذا الوعدُ الكريم من رب العالمين هو الذي يستبشر به أولئك المسلمون . . إنه جنات تجري الأنهار تحت أشجارها ، فينعمون فيها نعيماً أبديا ، وأيّ فوز بعد هذا ! !
قوله تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } الآية . قرأ يعقوب بالرفع عطفا على قوله : { والسابقون } . واختلفوا في السابقين الأولين ، قال سعيد بن المسيب ، وقتاد وابن سيرين وجماعة : هم الذين صلوا إلى القبلتين . وقال عطاء بن أبي رباح : هم أهل بدر . وقال الشعبي : هم الذين شهدوا بيعة الرضوان ، وكانت بيعة الرضوان بالحديبية . واختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته خديجة ، مع اتفاقهم على أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال بعضهم : أول من آمن وصلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهو قول جابر ، قال مجاهد وابن إسحاق ، أسلم وهو ابن عشر سنين . وقال بعضهم : أول من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وهو قول ابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي . وقال بعضهم : أول من أسلم زيد بن حارثة ، وهو قول الزهري وعروة بن الزبير . وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول : أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه ، ومن النساء خديجة ، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ومن العبيد زيد بن حارثة . قال ابن إسحاق : فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه ودعا إلى الله رسوله ، وكان رجلا محببا سهلا كان أنسب قريش وأعلمها بما كان فيها ، وكان تاجرا ذا خلق ومعروف ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر ، لعلمه وحسن مجالسته ، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ، فأسلم على يديه - فيما بلغني - : عثمان بن عفان ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيد الله ، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا ، فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام . ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام ، أما السابقون من الأنصار : فهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ، وكانوا ستة في العقبة الأولى ، وسبعين في الثانية ، والذين آمنوا حين قدم عليهم مصعب بن عمير يعلمهم القرآن ، فأسلم معه خلق كثير وجماعة من النساء والصبيان . قوله عز وجل : { والسابقون الأولون من المهاجرين } الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا أوطانهم . { والأنصار } أي : ومن الأنصار ، وهم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل المدينة وآووا أصحابه ، { والذين اتبعوهم بإحسان } . قيل : هم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين . وقيل : هم الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة أو النصرة إلى يوم القيامة . وقال عطاء : هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالترحم والدعاء . وقال أبو صخر حميد بن زياد : أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له : ما قولك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة محسنهم ومسيئهم ، فقلت : من أين تقول هذا ؟ فقال : يا هذا اقرأ قول الله تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } إلى أن قال : { رضي الله عنهم ورضوا عنه } ، وقال : { والذين اتبعوهم بإحسان } ، شرط في التابعين شريطة وهى أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة . قال أبو صخر : فكأني لم أقرأ هذه الآية قط . روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه " . ثم جمعهم الله عز وجل في الثواب فقال : { رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار } ، قرأ ابن كثير : " من تحتها الأنهار " ، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة ، { خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.