تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (78)

{ والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .

وهذه المنن التي يذكرها ربُّنا يَعْرِض فيها مثلاً من حياة البشر تعجِز عنه قُواهم ، ويعجز عنه تصوُّرُهم ، وهو يقع كل يوم . إن الله تعالى يُخرجكم أيها الناس من بطون أمهاتكم لا تدرِكون شيئاً مما يحيط بكم ، ثم أعطاكم السمعَ والبصرَ والأفئدة . وقد ثبت للباحثين اليومَ أن حاسّة السمع تبدأ مبكرة جدّاً في حياة الطفل ، في الأسابيع القليلة الأولى ، أما البصر فيبدأ في الشهر الثالث ، ولا يتم تركيز الإبصار إلا بعدَ الشهر السادس ، وأما الفؤاد : وهو الإدراك والتمييز- فلا يتم إلا بعد ذلك . وهكذا فالترتيبُ الذي جاء به القرآن هو ترتيبُ ممارسة الحواس .

وهذه الأجهزة : السمع والبصر والأفئدة ، في الإنسان من أعجب العجب في تركيبها وعملها وأداء وظيفتها ، ومن أكبرِ الأدلة على وجود الخالق القدير ، وهي وسائل للعلم والإدراك ، لتؤمنوا بالله ، وتشكروه على ما تفضل عليكم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (78)

ولما انقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه ، وختم بأمر الساعة ، عطف على قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً } ، ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى ، فقال تعالى : { والله } ، أي : الذي له العظمة كلها ، { أخرجكم } ، بعلمه وقدرته ، { من بطون أمهاتكم } ، والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق ، بل بطريق الأولى ، حال كونكم عند الإخراج : { لا تعلمون شيئاً } من الأشياء قل أو جل ، وعطف على { أخرجكم } ، قوله : { وجعل لكم } بذلك أيضاً { السمع والأبصار والأفئدة } ، آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه ، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده ، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة ، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعاً ، قادر على إعادته في بطن الأرض ، بل بطريق الأولى ، ولعله جمعهما دون السمع ؛ لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله ؛ والأفئدة ، هي : القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن ، بما أودعها من الحرارة اللطيفة القابلة للمعاني الدقيقة ، { لعلكم تشكرون * } ، أي : لتصيروا - بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها شكركم ، لما أفاض عليكم من لطائف صنعه ، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف ، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله ، وأهمه الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول ، أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد ، عالم بكل شيء ، قادر على كل شيء ، فاعل بالاختيار ، وأن الطبائع من جملة مقدوراته ، لا فعل لها إلا بتصريفه .