تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ} (122)

نفر : خرج للجهاد .

الفرقة : الجماعة الكثيرة .

الطائفة : الجماعة القليلة .

تفقّه : تعلم أمور دينه .

هنا يبين الله تعالى بقية أحكام الجهاد مع بيان حكم التعلم والتفقه في الدين ، لأن دين الإسلام قامَ على العلم والحجة والبرهان .

قال ابن عباس : لما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين لتخلفهم عن الجهاد ، قال المؤمنون : واللهِ لا نتخلّف عن غزوة يغزوها رسول الله ، ولا سرية أبدا . فلما أمر الرسولُ الكريم بالجهادَ نَفَرَ المسلمون جميعا وتركوا رسول الله وحده بالمدينة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

{ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً } .

ليس من شأن المؤمنين أن يخرجوا جميعاً في كل سريةٍ تخرجُ للجهاد ، إلا إذا اقتضى الأمر وخرجَ الرسولُ بنفسه أو استنفر الناس جميعاً .

{ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } .

إن هناك واجباتٍ أخرى مهمة غير الجهاد يجب على المؤمنين أن يقوموا بها ، وذلك أن ينفِرَ من كل بلد أو قبيلة جماعة يأتون إلى رسول الله ليتفقّهوا في الدين ثم يعودوا إلى قومهم فيرشدوهم ويعلّموهم ليثبتَ هؤلاء على الحق ، ويعلموا الباطل فيجتنبوه .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ} (122)

{ وما كان المؤمنون لينفروا كافة } قال ابن عباس : هذه الآية في البعوث إلى الغزو والسرايا أي : لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا ، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، ولذلك عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه ، فالآية الأولى في الخروج معه صلى الله عليه وسلم ، وهذه في السرايا التي كان يبعثها ، وقيل : هي ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج الجميع فهو دليل على أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين وقيل : هي في طلب العلم ومعناها : أنه لا تجب الرحلة في طلب العلم على الجميع ، بل على البعض لأنه فرض كفاية .

{ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } تحضيض على نفر بعض المؤمنين للجهاد أو لطلب العلم .

{ ليتفقهوا في الدين } إن قلنا إن الآية في الخروج إلى طلب العلم ، فالضمير في يتفقهوا للفرقة التي تنفر أي : ترحل ، وكذلك الضمير في { ينذروا } وفي { رجعوا } أي : ليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم من الرحلة ، وإن قلنا إن الآية في السرايا فالضمير في { يتفقهوا } للفرقة التي تقعد في المدينة ولا تخرج مع السرايا ، وأما الضمير في { رجعوا } فهو للفرقة التي خرجت مع السرايا .

{ لعلهم يحذرون } الضمير للقوم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ} (122)

ولما تواترت النواهي للمتخلفين وتواصلت الزواجر وتعاظم التبكيت والتهديد ، طارت القلوب وأشفقت النفوس ، فكان ذلك مظنة أن لا يتخلف بعدها أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمن يقوم مقامه فيتمكن حينئذ الأعداء من الأموال والذراري والعيال ، فأتبع ذلك قوله تعالى : { وما كان المؤمنون } أي الذين حثهم على النَّفر الرسوخ في الإيمان { لينفروا كآفة } أي جميعاً فإن ذلك يخل بكثير من الأغراض الصالحة ، وهو تعليم لما هو الأنسب بالدين والدنيا من انقسام الناس قسمين : قسماً للجهاد ، وقسماً للنفقة وحفظ الأموال والأولاد ، كل ذلك بأمره عليه الصلاة والسلام والعمل بما يرضاه ، ولا يخفى ذلك على المخلص ، ولعل التعبير بالفعل الماضي في قوله مسبباً عما قبله : { فلولا نفر } ليفهم تبكيت من قصد تبكيته من المتخلفين في جميع هذه السورة بأنه كان عليهم أن ينفر مع النبي صلى الله عليه وسلم { من كل فرقة } أي ناس كثير{[37407]} يسهل افتراقهم ، قالوا : وهو اسم يقع على ثلاثة { منهم طائفة } أي ناس لا ينفكون حافين بالنبي صلى الله عليه وسلم يلزمونه ، قيل : والطائفة واحد و{[37408]} اثنان ، فالآية حجة على قبول خبر الواحد ووجوب العمل به ، وكأنه عبر به للإشارة إلى الحث على كثرة النافرين كما هو أصل مدلولها الأغلب فيه{[37409]} { ليتفقهوا } أي ليكلف النافرون أنفسهم الفهم منه صلى الله عليه وسلم شيئاً فشيئاً { في الدين } أي بما يسمعونه من أقواله ويرونه من جميل أفعاله ويصل إلى قلوبهم من مستنير أحواله ، وهذا غاية الشرف للعلم حيث جعل غاية الملازمة له صلى الله عليه وسلم للجهاد{[37410]} ، هذا إن كان هو صلى الله عليه وسلم النافر في تلك الغزاة ، وإن كان{[37411]} غيره كان ضمير { يتفقهوا } للباقين معه صلى الله عليه وسلم .

ولما{[37412]} كان من العلم بشارة ومنه نذارة ، وكان الإنسان - لما فيه من النقصان - أحوج شيء إلى النذارة ، خصها بالذكر فقال عطفاً على نحو : ليخافوا في أنفسهم فيعملوا في خلاصها : { ولينذروا قومهم } أي يحذروهم ما أمامهم من المخاوف إن فرطوا في جانب التقوى { إذا رجعوا إليهم } أي ما أنذرهموه الرسول صلى الله عليه وسلم ويبشروهم بما بشرهم{[37413]} به ؛ ثم بين{[37414]} غاية العلم مشيراً إلى أن من جعل له غاية غيرها من {[37415]}ترفع أو افتخار{[37416]} فقد ضل ضلالاً كبيراً ، فقال موجباً لقبول خبر من بلغهم : { لعلهم } أي كلهم { يحذرون* } أي ليكون حالهم حال أهل الخوف من الله بما حصلوا من الفقه لأنه أصل كل خير ، به تنجلي القلوب فَتقبل على الخير وتعرض عن الشر ، فإن الحذر تجنب الشيء لما فيه من الضرر ، والمراد بالفقه هنا حفظ الكتاب والسنة وفهم معانيهما من الأصول والفروع والآداب والفضائل ، وقال الرماني{[37417]} : الفقه فهم موجبات المعاني المضمنة بها من غير تصريح بالدلالة عليها .


[37407]:زيد من ظ.
[37408]:في ظ: أو.
[37409]:زيد من ظ.
[37410]:في ظ: في الجهاد.
[37411]:زيد بعده في الأصل: في، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[37412]:سقط من ظ.
[37413]:زيد من ظ.
[37414]:زيد بعده في الأصل: في، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[37415]:في ظ: افتخار أو ترفع.
[37416]:في ظ: افتخار أو ترفع.
[37417]:هو علي بن عيسى بن علي ـ راجع معجم المؤلفين 7/162.