بما رحبت : بما وسعت على اتساعها .
لقد تفضلّ الله تعالى بالعفو عن الثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج للجهاد في غزوة تبوك ولم يكن تخلّفهم عن نفاق . وهو يعلم أنهم مؤمنون صادقون . لذا كانت توبتهم خالصة ، وندمهم شديدا حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم على سَعَتها ، وضاقت عليهم نفوسُهم همّاً وحزنا . لقد علموا أنه لا ملجأ من غضب الله إلا بالرجوع إليه ، وحينئذ هداهم إلى التوبة ، وعفا عنهم ، فهو التواب الرحيم .
والثلاثة الذين خلفوا هم : كعب بن مالك وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وجميعهم من الأنصار . وكان كعب بن مالك من أكابر الشعراء ومن الصحابة الصادقين وأحد المنافحين عن النبي الكريم بشِعره . وقد روى البخاري ومسلم قصته بالتفصيل . قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله في غزوةٍ غزاها إلا في بدرٍ وتبوك ، والرسول لم يعاتب أحدا تخلف عن غزوة بدر .
وكنت وقتَ غزوة تبوك في حالة جيدة من المال والصحة ، عندي راحلتان . وقد بقيت أغدو وأروح لأتجهّز فلم أوفَّق ، وظللت أتعلل بأني قادر وسوف أتبعُهم . ولما رجع رسول الله عن الغزوة وجلس للناس جاءه المخلّفون فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم عذرهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله . فجئته أنا ، فلما سلَمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضَب ، ثم قال لي : ما خلّفك ؟ ألم تكن قد ابْتَعتَ ظهرك ؟ فقلت : بلى ، إني والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا ، لرأيتُ أن سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أُعطيتُ جدلا ، ولكني والله قد علمت لئن حدّثتُك اليوم حديثَ كذب ترضى به عني ، ليوشكنّ اللهُ أن يُسخِطَك علي ، ولئن حدثتك حديثَ صدق تجد عليَّ فيه ، إني لأرجو فيه عفو الله . لا والله ما كان لي من عذر . . فقال رسول الله : أما هذا فقد صَدق ، فقم حتى يقضي الله فيك ، فقمت .
وكذلك فعل صاحباه فصدَقا رسول الله . وكان الثلاثة من الصحابة المرموقين فآثروا الصدق وفاء لدِينهم ، وخوفا من أن يفضح الله كذبهم . وسمع النبي منهم وأعلن أنهم قد صدقوه ، ولم يعفُ عنهم مع ذلك ، بل ترك أمرهم إلى الله . وأمرَ المؤمنين أن لا يكلّموهم .
وينظر هؤلاء الثلاثة فإذا هم في عزلة بغيضة إلى نفوسهم ، السجنُ أهون منها .
يقول كعب : فبينما أنا أمشي بسوق المدينة ، إذا نبطيُّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلّ على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له ، حتى إذا جاءني ، رفع إليَّ كتاباً من ملك غسَان ، فإذا فيه : أما بعد ، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدارٍ هوان ولا مَضْيَعة ، فالحقْ بنا نُواسِك ، فقلت لما قرأتها : وهذا أيضاً من البلاء ، فأحرقت الكتاب .
وبعد أن مضت أربعون ليلة أرسل إليهم النبي أن يعتزلوا نساءهم . وبعد أن مضت عليهم خمسون ليلة في هذه العزلة ، كان الندم قد أخذ من قلوبهم أقوى مأخذ ، فأنزل الله توبته عليهم في هاتين الآيتين الكريمتين ، وقد ابتهج المؤمنون كلهم لذلك ، فكانوا يهنئونهم بذلك .
يقول كعب : لما بلَغني النبأ انطلقتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد حوله المسلمون . فقام إليَّ طلحةُ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وقال : لِتَهْنِكَ توبة الله ، فلن أنساها لطلحة . وقال رسول الله وهو يستنير استنارة القمر : أبشِر يا كعب بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتْك أُمك . ثم تلا علينا الآية . . .
وفي هذه القصة عبرة للمؤمنين تخشع لها قلوبهم ، وتفيض عبراتهم .
{ وعلى الثلاثة الذين خلفوا } هم كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع ، تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر ومن غير نفاق ولا قصد للمخالفة ، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عتب عليهم ، وأمر أن لا يكلمهم أحد ، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم ، فبقوا على ذلك مدة إلى أن أنزل الله توبتهم ، وقد روي حديثهم في البخاري ومسلم والسير ، ومعنى خلفوا هنا أي : عن الغزوة ، وقال كعب بن مالك : معناه خلفوا عن قبول الضر ، وليس بالتخلف عن الغزو يقوي ذلك كونه جعل إذا ضاقت غاية للتخلف .
{ ضاقت عليهم الأرض } عبارة عما أصابهم من الغم والخوف من الله .
{ ثم تاب عليهم ليتوبوا } أي : رجع بهم ليستقيموا على التوبة .
ولما صرح بالتوبة على من قارب الزيغ وخلط معهم أهل الثبات إشارة إلى أن كل أحد{[37341]} فقير إلى الغني الكبير وليكون اقترانهم بأهل المعالي ، وجعلهم في حيزهم تشريفاً لهم وتأنيساً لئلا يشتد إنكارهم{[37342]} ، أتبعه التوبة على من وقع منه الزيغ فقال غير مصرح بالزيغ تعليماً{[37343]} للأدب وجبراً للخواطر المنكسرة{[37344]} : { {[37345]}وعلى{[37346]} } أي ولقد تاب الله على { الثلاثة الذين }{[37347]} .
ولما كان الخلع للقلوب مطلق التخليف ، بني للمفعول قوله : { خلفوا } أي خلفهم{[37348]} رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجران ونهى الناس عن كلامهم ، وأخر الحكم فيهم ليأتي أمر الله في بيان أمرهم واستمر تخليفهم { حتى إذا ضاقت } أشار إلى عظيم الأمر بأداة الاستعلاء فقال : { عليهم الأرض } أي كلها { بما رحبت } أي مع شدة اتساعها ، أي ضاق عليهم فسيحها وواسعها{[37349]} .
ولما كان هذا قد يراد به{[37350]} الحقيقة ، وكان ضيق المحل قد{[37351]} لا يستلزم ضيق الصدر ، أتبعه الدلالة على أن المراد المجاز فقال : { وضاقت عليهم } بالهم المزعج والغم المقلق { أنفسهم } أي من شدة ما لاقوا من الهجران حتى بالكلام حتى برد السلام ؛ ولما كان ذلك لا يقتضي التوبة إلا بالمراقبة ، أتبعه -بيانا للتخلق بها- قوله : { وظنوا } أي أيقنوا ، ولعله عبر بالظن إيذانا بأنهم لشدة الحيرة كانت قلوبهم لا تستقر على حال ، فكان يقينهم لشدة الخواطر كأنه ظن ، أو يقال - وهو حسن - : إن التعبير به عن يقين المخلصين إشارة إلى أن أعلى اليقين في التوحيد لا يبلغ الحقيقة على ما هي عليه أن لا يقدر أحد أن يُقدر الله حق قدره - كما قال أصدق الخلق صلى الله عليه وسلم " لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك " وهذا من النفائس فاستعمله في أمثاله{[37352]} { أن لا ملجأ } أي مهرب ومفزع { من الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { إلا إليه } أي بما يرضيه ، وهو مثل لتحيرهم في أمرهم ، وجواب { إذا } محذوف دل عليه صدر الكلام تقديره{[37353]} : تداركهم بالتوبة فردهم إلى ما كانوا عليه قبل مواقعة الذنب .
ولما كان ما عملوه من التخلف عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عظيماً بمجرد المخالفة ثم{[37354]} يترك المواساة ثم بالرغبة عنه صلى الله عليه وسلم ثم بأمور عظيمة شديدة القبح وخيمة فكان يبعد معه الزيادة عن رتبة التوبة ، أعلم سبحانه أنه رقاهم{[37355]} في رتب الكمال بأن جعل ذلك سبباً لتطهيرهم من جميع الأدناس وتنقيتهم من سائر الأدران المقتضي لمزيد القرب بالعروج في مصاعد المعارف - كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم لكعب رضي الله عنه " أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك " ، أتبع ذلك سبحانه الإعلام به بقوله - مشيراً إلى ما{[37356]} بعده لولا فضل الله - بأداة الاستبعاد : { ثم تاب عليهم } أي رجع بهم بعد التوبة إلى مقام من مقامات سلامة الفطرة الذي هو أحسن تقويم يعلو{[37357]} لعلوه بالنسبة إلى ما دونه ، توبة { ليتوبوا } أي ليرجعوا إلى ما تقتضيه الفطرة الأولى من الثبات على ما كانوا عليه من الإحسان في الدين والتخلق بأخلاق السابقين ، ولعله عبر بالظن موضع العلم إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من جلاله للانقطاع إليه مجرد الظن بأنه لا سبب إليه إلا منه لأنه محيط بكل شيء لا يعجزه شيء ، ويمكن أن يكون التعبير –ب { ثم } إشارة إلى عظيم ما قاسوا من الأهوال وما ترقوا إليه من مراتب الخوف ، وامتنان عليهم بالتوبة من عظيم ما ارتكبوا ، وإنما خصوا عن رفقائهم بأن أرجئوا{[37358]} لأمر الله لعلو مقامهم بما لهم من السابقة ورسوخ القدم في الإسلام ، فالمخالفة اليسيرة منهم أعظم من الكثير من غيرهم لأنهم أئمة الهدى ومصابيح الظلم ، ومن هذا البارق - حسنات الأبرار سيئات المقربين - ثم علل التوبة بأمر يعم غيرهم ترغيباً فقال معبراً بما{[37359]} يشير مع أعلى مقامهم إلى{[37360]} نزوله عن{[37361]} مقام من قبلهم : { إن الله } أي الذي له الكمال كله { هو } أي وحده { التواب } أي البليغ التوبة على من تاب وإن عظم جرمه وتكررت توبته لتكرر ذنوبه { الرحيم* } أي المكرم لمن أراد من عباده بأن{[37362]} يحفظه على ما يرتضيه فلا يزيغ ، ويبالغ في الإنعام عليه .