تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ} (95)

حُرُم : مفرده حرام ، للذكر والأنثى ، وهو المحرِم بحج أو عمرة .

النعم : الحيوان من البقر والضأن والإبل .

العدل : بفتح العين ، المُساوي للشيء .

الوبال : الشدة ، وسوء العاقبة .

يا أيها الذين آمنوا ، إن الله يختبركم في الحج بتحريم صيد الحيوان البريّ بأيديكم أو برماحكم ، ليُظهر الذين يراقبونه منكم في غيبية من أعين الخلق ويعلم إطاعتكم لأوامره . وما ذلك إلا تربية لكم وتزكية لنفوسكم ، فمن اعتدى بأن أخذ شيئاً من ذلك الصيد بعد هذا التحريم فله عذاب شديد في الآخرة .

وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن هذا البلدَ حرام ، لا يُعضَد شجره ، ولا يُختلى خلاه ، ولا يُنفَّر صيده ، ولا تُلتقط لُقطتُه إلا لمعرّف » .

يُعضد شجرة : يقطع . الخلا : الرطب من النبات ، ويختلى : يُحَشّ .

ولا يجوز قتل أو صيد أي حيوان أو طير ما عدا «الغراب والحَدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور والحيّة » كما ورد في الأحاديث الصحيحة .

وفي الصحيحين ، أن رسول الله عليه السلام قال : «إن إبراهيم حرَّم مكةَ ودعا لها ، وإنّي حرّمتُ المدينة كما حرّم إبراهيمُ مكة » ، كما قال : «المدينةُ حَرَمٌ ما بين عِيرَ إلى ثَور » .

عير : جبل كبير في القسم الجنوبي من المدينة . ثور : جبل صغير خلف جبل أحُد .

يا أيها الذين آمنوا ، لا تقتلوا الصيد وقد نويتم الحج والعمرة . ومن فعله منكم قاصداً فعليه أن يؤدي نظير الصيد الذي قتله ، يُخرجه من الإبل والبقر والغنم ، بمعرفة رجلَين عادلين منكم يحكمان به ، ويقدّم ذلك هدية للفقراء عند الكعبة . . أو يدفع بدله إليهم . . أو يُخرج بقيمة المِثْل طعاماً للفقراء ، لكل فقير ما يكفيه يومه . هذه كفّارة مسقطة لذنب تعدّيه على الصيد في الوقت الممنوع . فإذا عجز عن الثلاثة السابقات ، فإن عليه أن يصوم أياماً بعدد الفقراء الذين كانوا يستحقّون الطعام لو أخرجه .

وقد شُرع ذلك ليحس المعتدي بنتائج جرمه . لقد عفا الله عما سبق قبل التحريم ، أما من عاد إلى قتل الصيد وهو محرم بعد النهي فإن الله سيعاقبه ، والله غالب على أمره ، ذو انتقام شديد ممن يصر على الذنب .

والآية صريحة في أن الجزاء الدنيوي يمنع عقاب الآخرة إذا لم يتكرر الذنب ، فإن تكرر استُحق .

أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال : إذا قتل المحرِم شيئاً من الصيد فعليه الجزاء ، فإن قتل ظبياً أو نحوه فعليه ذبحُ شاة في مكة ، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين ، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام .

أما إن قتل أيّلاً «من بقر الوحش » فعليه بقرة ، فإن لم يجد صام عشرين يوما . وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحو ذلك فعليه بُدنة من الإبل ، فان لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا ، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما ، والطعام مدُّ يشبعهم .

قراءات :

قرأ الكوفيون ويعقوب « فجزاءُ مثلُ » برفع جزاء ومثل ، وقرأ الباقون «فجزاءُ مثلٍ » برفع جزاء والإضافة . وقرأ نافع وابن عامر «كفَارةَ طعامٍ » بالإضافة والباقون «كفارةً » بالتنوين .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ} (95)

{ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } معنى :{ حرم } داخلين في الإحرام وفي الحرم ، والصيد هنا عام خصص منه الحديث : الغراب والحدأة ، والفأرة ، والعقرب ، والكلب العقور . وأدخل مالك في الكلب العقور كل ما يؤذي الناس من السباع وغيرها ، وقاس الشافعي على هذه الخمسة : كل ما لا يؤكل لحمه ، ولفظ الصيد يدخل فيه ما صيد وما لم يصد مما شأنه أن يصاد وورد النهي هنا عن القتل قبل أن يصاد وبعد أن يصاد ، وأما النهي عن الاصطياد فيؤخذ من قوله :{ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما }[ المائدة :96 ] .

{ ومن قتله منكم متعمدا } مفهوم الآية يقتضي أن جزاء الصيد على المتعمد لا على الناسي ، وبذلك قال أهل الظاهر ، وقال جمهور الفقهاء : المتعمد والناسي سواء في وجوب الجزاء ، ثم اختلفوا في قوله :{ متعمدا } على ثلاثة أقوال : أحدها : أن المتعمد إنما ذكر ليناط به الوعيد في قوله :{ ومن عاد فينتقم الله منه } ، إذ لا وعيد على الناسي .

والثاني : أن الجزاء على الناسي بالقياس على المتعمد .

والثالث : أن الجزاء على المتعمد ثبت بالقرآن وأن الجزاء على الناسي ثبت بالسنة .

{ فجزاء مثل ما قتل من النعم } المعنى فعليه جزاء ، وقرئ بإضافة جزاء إلى مثل ، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول به ، وقيل : مثل زائدة ، كقولك : أنا أكرم مثلك أي أكرمك ، وقرئ فجزاء بالتنوين ، ومثل بالرفع على البدل أو الصفة ، والنعم الإبل والبقر والغنم خاصة ، ومعنى الآية عند مالك والشافعي : أن من قتل صيدا وهو محرم أن عليه في الفدية ما يشبه ذلك الصيد في الخلقة والمنظر ، ففي النعامة بدنة ، وفي حمار الوحش بقرة ، وفي الغزالة شاة ، فالمثلية على هذا هي في الصورة والمقدار ، فإن لم يكن له مثل أطعم أو صام ، ومذهب أبي حنيفة أن المثل القيمة يقوم الصيد المقتول ويخير القاتل بين أن يتصدق بالقيمة أو يشتري بالقيمة من النعم ما يهديه .

{ يحكم به ذوا عدل } هذه الآية تقتضي أن التحكيم شرط في إخراج الجزاء ، ولا خلاف في ذلك ، فإن أخرج أحد الجزاء قبل الحكم عليه ، فعليه إعادته بالحكم إلا حمام مكة ، فإنه لا يحتاج إلى حكمين ، قاله مالك ، ويجب عند مالك التحكيم فيما حكمت فيه الصحابة ، وفيما لم يحكموا فيه ، لعموم الآية ، وقال الشافعي : يكتفي في ذلك بما حكمت به الصحابة .

{ هديا } يقتضي ظاهره أن ما يخرج من النعم جزاء عن الصيد يجب أن يكون مما يجوز أن يهدي ، وهو الجذع من الضأن والثني مما سواه ، وقال الشافعي : يخرج المثل في اللحم ولا يشترط السن .

{ بالغ الكعبة } لم يرد الكعبة بعينها ، وإنما أراد الحرم ، ويقتضي أن يصنع بالجزاء ما يصنع بالهدي من سوقه من الحل إلى الحرم ، وقال الشافعي وأبو حنيفة : إن اشتراه في الحرم أجزأه .

{ أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } عدّد تعالى ما يجب في قتل المحرم للصيد ، فذكر أولا الجزاء من النعم ، ثم الطعام ثم الصيام ، ومذهب مالك والجمهور أنها على التخيير ، وهو الذي يقتضيه العطف بأو ، ومذهب ابن عباس أنها على الترتيب ، ولم يبين الله هنا مقدار الطعام ، فرأى العلماء أن يقدر الجزاء من النعم لأنهم اختلفوا في كيفية التقدير ، فقال مالك : يقدر الصيد المقتول نفسه بالطعام أو الدراهم ، ثم تقوم الدراهم بالطعام ، فينظر كم يساوي من طعام أو من دراهم وهو حي ، وقال بعض أصحاب مالك يقدر الصيد بالطعام ، أي يقال : كم كان يشبع الصيد من نفس ثم يخرج قدر شبعهم طعاما وقال الشافعي : لا يقدر الصيد نفسه وإنما يقدر مثله ، وهو الجزاء الواجب على القاتل له .

{ أو عدل ذلك صياما } تحتمل الإشارة بذلك أن تكون إلى الطعام وهو أحسن لأنه أقرب أو إلى الصيد ، واختلف في تعديل الصيام بالطعام فقال مالك يكون مكان كل مدّ يوما ، وقال أبو حنيفة : مكان كل مدّين يوم ، وقيل : مكان كل صاع يوما ، ولا يجب الجزاء ولا الإطعام ولا الصيام ، إلا بقتل الصيد لا بأخذه دون قتل لقوله :{ من قتله } ، وفي كل وجه يشترط حكم الحكمين ، وإنما لم يذكر الله في الصيام والطعام استغناء بذكره في الجزاء .

{ ليذوق وبال أمره } الذوق هنا مستعار لأن حقيقته بحاسة اللسان ، والوبال سوء العاقبة ، وهو هنا ما لزمه من التكفير .

{ عفا الله عما سلف } أي : عما فعلتم في الجاهلية من قتل الصيد في الحرم .

{ ومن عاد فينتقم الله منه } أي : من عاد إلى قتل الصيد وهو محرم بعد النهي عن ذلك فينتقم الله منه بوجوب الكفارة عليه أو بعذابه الآخرة .