تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (5)

وقد عِلَمَ أبوه أن هذه الرؤيا سيكونُ لها شأنٌ عظيم ، وأن يوسفَ سيكون له مستقبل وسلطان يسود به أهلَه والناس ، فقال لولده : يا بنيّ ، لا تقصَّ على إخوتك هذه الرؤيا ، فإنها تثير في نفوسهم الحسدَ ويكيدون لك كيداً عظيما ، فالشيطان بالمرصاد للإنسان وهو عدوه الظاهر على الدوام .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (5)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك}، فيحسدوك،إضمار، {فيكيدوا لك كيدا}، فيعملوا بك شرا، {إن الشيطان للإنسان عدو مبين}، يعني: بين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول جلّ ذكره: قالَ يعقوب لابنه يوسف: {يا بُنَيّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ}، هذه، {عَلى إخْوَتِكَ}، فيحسدوك، {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدا}، يقول: فيبغوك الغوائل، ويناصبوك العداوة، ويطيعوا فيك الشيطان. {إنّ الشّيْطانَ للإِنْسانِ عَدُوّ مُبِينٌ}، يقول: إن الشيطان لآدم وبنيه عدوّ، وقد أبان لهم عداوته وأظهرها. يقول: فاحذر الشيطان أن يغري إخوتك بك بالحسد منهم لك إن أنت قصصت عليهم رؤياك. وإنما قال يعقوب ذلك، لأنه قد كان تبين له من إخوته قبل ذلك حسده...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إذا جاء القضاءُ لا ينفع الوعظ والحذر؛ فإن النصيحة والحذر لا يزيدان على ما نصح يعقوب ليوسف عليهما السلام، ولكن لمَّا سبق التقديرُ في أمر يوسف -عليه السلام- حصل ما حصل.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

عرف يعقوب عليه السلام دلالة الرؤيا على أن يوسف يبلغه الله مبلغاً من الحكمة، ويصطفيه للنبوّة، وينعم عليه بشرف الدارين، كما فعل بآبائه، فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم،...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

تقتضي هذه الآية أن يعقوب عليه السلام كان يحس من بنيه حسد يوسف وبغضته، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن يشعل بذلك غل صدورهم، فيعملوا الحيلة على هلاكه، ومن هنا ومن فعلهم بيوسف -الذي يأتي ذكره- يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

... إن يعقوب عليه السلام كان شديد الحب ليوسف وأخيه فحسده إخوته لهذا السبب وظهر ذلك المعنى ليعقوب عليه السلام بالأمارات الكثيرة فلما ذكر يوسف عليه السلام هذه الرؤيا وكان تأويلها أن إخوته وأبويه يخضعون له فقال لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها فيكيدوا لك كيدا...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فكأنه قيل: ماذا قال له أبوه؟ فقيل: {قال} عالماً بأن إخوته سيحسدونه على ما تدل عليه هذه الرؤيا إن سمعوها {يابني} فبين شفقته عليه، وأكد النهي بإظهار الإدغام فقال: {لا تقصص رؤياك} أي هذه {على إخوتك} ثم سبب عن النهي قوله: {فيكيدوا} أي فيوقعوا {لك كيداً} أي يخصك، فاللام للاختصاص. وفي الآية دليل على أنه لا نهي عن الغيبة للنصيحة، بل هي مما يندب إليه...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك} يا بني تصغير لكلمة ابن في نداء العطف والتحبب، وقص الرؤيا على فلان كقص القصة معناه أخبره بها على وجه الدقة والإحاطة كما تقدم آنفا، وقد يفهم منه المعبر البصير المعنى المناسب للرائي القاص أو المعنى الذي تؤول إليه في المستقبل إذا كانت رؤيا حق كما يقع للأنبياء عليهم السلام قبل وحي التكليم ومقدماته، وقد فهم هذا يعقوب واعتقد أن يوسف سيكون نبيا عظيما ذا ظهور وسلطان يسود به أهله حتى أباه وأمه وإخوته، وخاف أن يسمع إخوته ما سمعه ويفهموا ما فهمه فيحسدوه ويكيدوا لإهلاكه فنهاه أن يقص رؤياه عليهم وعلله بقوله: {فيكيدوا لك كيدا} أي إن تقصصها عليهم يحسدوك فيدبروا ويحتالوا للإيقاع بك تدبيرا شيطانيا يحكمونه بالتفكير والروية، كما يفعل الأعداء في المكايد الحربية، يقال كاده إذا وجه إليه الكيد مباشرة، وكاد له إذا دبر الكيد لأجله سواء كان لمضرته وهو المراد هنا، أو لمنفعته ومنه قوله تعالى في تدبير يوسف لإبقاء أخيه عنده {كذلك كدنا ليوسف} [يوسف: 76] وسيأتي بيان هذه المقابلة.

{إن الشيطان للإنسان عدو مبين} ظاهر العداوة بينها لا تفوته فرصة لها فيضيعها. هذا بيان مستأنف للسبب النفسي لهذا الكيد وهو أنه من وسوسة الشيطان في النزغ بين الناس عندما تعرض له داعية من هوى النفس وشرها الحسد الغريزي في الإنسان، كما عبر عنه يوسف بعد وقوعه وسوء تأثيره وحسن عاقبته بقوله {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} [يوسف: 100]...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وقد علم يعقوب عليه السّلام أن إخوة يوسف عليه السّلام العشرة كانوا يغارون منه لفرط فضله عليهم خَلقا وخلقا، وعلم أنّهم يعبرون الرؤيا إجمالاً وتفصيلاً، وعلم أن تلك الرؤيا تؤذن برفعة ينالها يوسف عليه السّلام على إخوته الذين هم أحدَ عَشَرَ فخشي إن قصّها يوسف عليه السلام عليهم أن تشتد بهم الغيرة إلى حدّ الحسد، وأن يعبّروها على وجهها فينشأ فيهم شرّ الحاسد إذا حسد، فيكيدوا له كيداً ليسلموا من تفوقّه عليهم وفضله فيهم...

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (5)

قوله : { قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } بني ، مصغر للشفقة والتحبب . ورؤيا بمعنى الرؤية ، إلا أنها مختصة بما كان في النوم دون اليقظة . { فيكيدوا } ، منصوب بإضمار أن على جواب النهي ، وعدي الفعل { فيكيدوا } باللام ، مع أنه مما يتعدى بنفسه . والتقدير : فيحتالوا لك بالكيد . وقيل : اللام للعلة . أي فيكيدوا من أجلك . و { كيدا } منصوب على أنه مصدر مؤكد . وقيل : مفعول به ؛ أي فيصنعوا لك كيدا{[2200]} .

وأما الكيد ، فمعناه المكر والخبث والحيلة{[2201]} ؛ فقد خشي يعقوب أن يحدث يوسف برؤياه أحدا من إخوته مما يثير في نفوسهم الحسد والكراهية فيسول لهم الشيطان أن يزلقوه في غائلة من الغوائل أو الشرور . من اجل ذلك نهاه يعقوب عليه السلام أن يقص رؤيا على إخوته كيلا يحتالوا له حيلة أو مكيدة أو خديعة تمسه فتؤذيه . وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها ؛ فإن كل ذي نعمة محسود ) .

قوله : { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } الشيطان خبيث وماكر ومخادع ، وهو أشد ما يكون كراهية للإنسان ؛ إذ يكيد له أبلغ الكيد في كل آن ، ويتحيل له طيلة الزمان أعتى الحيل والمكائد ليهوي بسببها في الهلكة والخسران سواء في الدنيا أو الآخرة ؛ فهو بذلك ظاهر العداوة لان آدم ، وهو من اجل ذلك لا يألو جهدا في إثارة الحسد لدى إخوة يوسف مما يسول لهم إيقاعه في النوائب أو في مهلكة من المهالك . مع أنهم من سلالة رسل عظام ، وقد نشأوا في بيت النبوة الطاهر . ولكنهم مع ذلك كان يمكن للشيطان أن يتدسس إلى نفوسهم الضعيفة فيسول لها ذميمة الحسد ويغويها بفعل المعاصي . وذلك يدل بما لا ريب فيه على أن إخوة يوسف ليسوا بأنبياء كما يزعم بعض القائلين بذلك . وذهب إلى عدم كونهم من النبيين أكثر العلماء من السلف والخلف ؛ فإنه لم ينقل عن الصحابة أو التابعين أنهم أنبياء . قال شيخ الإسلام بن تميمة في هذه المسألة : الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أن إخوة يوسف عليه السلام ليسوا بأنبياء ، وليس في القرآن ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا عن أحد من الصحابة ( رضي الله عنهم ) خبر بأن الله تعالى نبأهم . وغنما احتج من قال بأنهم نبئوا بقوله تعالى في آيتي البقة والنساء : { والأسباط } وفسر ذلك بأولاد يعقوب . والصواب أنه ليس المراد بهم أولاده لصلبه بل ذريته ، كما يقال لهم : نبو إسرائيل . وكما يقال لسائر الناس : بنو آدم{[2202]} .

ولو كان إخوة يوسف أنبياء كأخيهم لذكرهم لله بالثناء كما ذكر أخاهم . وكذلك فإن النبيين لهم من المكاره والمحامد ما يناسب منزلة النبوة . وقد أثنى رسولنا صلى الله عليه وسلم على نبي الله يوسف فقال : ( أكرم الناس يوسف بن يعقوب بم إسحق بن إبراهيم نبي ابن نبي ) فلو كان إخوته أنبياء لشاركوه في هذا الثناء والكرم .

على أن النبوة لا يليق بها البتة كبريات المعاصي والآثام وكالذب ، وعقوق الوالدين ، وقطيعة الرحم ، وقتل النفس المؤمنة ظلما وعدوانا ، وإرقاق المسلم وبيعه إلى الكافرين في دار الكفر ! فأنى لنبيين يجيئهم الوحي من السماء أن يقترفوا هذه الفظائع من المنكرات ؟ ! لا جرم أن ذلك يدل أيما دليل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء . فالنبيون معصومون عن صدور مثل هذه القبائح والمنكرات قبل النبوة وبعدها{[2203]} .


[2200]:الدر المصون جـ 6 ص 439، 440.
[2201]:القاموس المحيط ص 403.
[2202]:روح المعاني جـ 12 ص 184.
[2203]:روح المعاني جـ 12 ص 183، 184 والبحر المحيط جـ 5 ص 281.