تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} (5)

الأنعام : الإبل والبقر والمعز والغنم .

الدفء : ما يدفئ الإنسان من ثياب وغيرها .

المنافع : ما يفيد الإنسان منها من ركوب وحرث ولبن .

وقد تفضَّل اللهُ عليكم بأن خَلَقَ لكم الإبلَ والبقرَ والغنمَ والمَعز لتتّخِذوا من أصوافها وأوبارِها وأشعارِها وجلودها ما تحتاجون إليه في حياتكم ، وتشربون من ألبانِها ، وتأكلون من لحومها .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} (5)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " والأنعام خلقها لكم " لما ذكر الإنسان ذكر ما من به عليه . والأنعام : الإبل والبقر والغنم . وأكثر ما يقال : نعم وأنعام للإبل ، ويقال للمجموع ولا يقال للغنم مفردة . قال حسان :

عَفَتْ ذاتُ الأصابع فالجِوَاءُ *** إلى عذراءَ منزلُها خَلاَءُ{[9791]}

ديار من بني الحَسحاس قَفْرٌ *** تُعَفِّيهَا الرَّوَامِسُ والسَّمَاءُ{[9792]}

وكانت لا يزال بها أنيس *** خلالَ مُرُوجها نَعَمٌ وشَاءُ

فالنعم هنا الإبل خاصة . وقال الجوهري : والنعم واحد الأنعام وهي المال الراعية ، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل . قال الفراء : هو ذكر لا يؤنث ، يقولون : هذا نعم وارد ، ويجمع على نُعْمان مثل حمل وحُمْلان . والأنعام تذكر وتؤنث ، قال الله تعالى : " مما في بطونه{[9793]} " [ النحل :66 ] . وفي موضع " مما في بطونها{[9794]} " [ المؤمنون : 21 ] . وانتصب الأنعام عطفا على الإنسان ، أو بفعل مقتدر ، وهو أوجه .

الثانية : قوله تعالى : " دفء " الدفء : السخانة ، وهو ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها ، ملابس ولحف وقطف{[9795]} . وروي عن ابن عباس : دفؤها نسلها ، والله أعلم . قال الجوهري في الصحاح : الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها ، قال الله تعالى : " لكم فيها دفء " . وفي الحديث ( لنا من دفئهم ما سلّموا بالميثاق ) . والدفء أيضا السخونة ، تقول منه : دفئ الرجل دفاءة مثل كره كراهة . وكذلك دفئ دفأ مثل ظمئ ظمأ . والاسم الدفء بالكسر وهو الشيء الذي يدفئك ، والجمع الأدفاء . تقول : ما عليه دفء ؛ لأنه اسم . ولا تقول : ما عليك دفاءة ؛ لأنه مصدر . وتقول : اقعد في دفء هذا الحائط أي ركنه . ورجل دفئ على فعل إذا لبس ما يدفئه . وكذلك رجل دفآن وامرأة دفأى . وقد أدفأه الثوب وتدفأ هو بالثوب واستدفأ به ، وادَّفأ به وهو افتعل ، أي ما لبس ما يدفئه . ودفؤت ليلتنا ، ويوم دفيء على فعيل وليلة دفيئة ، وكذلك الثوب والبيت . والمدفئة الإبل الكثيرة ؛ لأن بعضها يدفئ بعضا بأنفاسها ، وقد يشدد . والمدفأة الإبل الكثيرة الأوبار والشحوم ، عن الأصمعي . وأنشد الشماخ :

وكيف يضيعُ صاحبُ مُدْفَآتٍ *** على أَثْبَاجِهِنَّ من الصَّقِيعِ{[9796]}

قوله تعالى : " ومنافع " قال ابن عباس : المنافع نسل كل دابة . مجاهد : الركوب والحمل والألبان واللحوم والسمن . " ومنها تأكلون " أفرد منفعة الأكل بالذكر لأنها معظم المنافع . وقيل : المعنى ومن لحومها تأكلون عند الذبح .

الثالثة : دلت هذه الآية على لباس الصوف ، وقد لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله كموسى وغيره . وفي حديث المغيرة : فغسل وجهه وعليه جبة من صوف شامية ضيقة الكمين . . . الحديث ، خرجه مسلم وغيره . قال ابن العربي : وهو شعار المتقين ولباس الصالحين وشارة الصحابة والتابعين ، واختيار الزهاد والعارفين ، وهو يلبس لينا وخشنا وجيدا ومقاربا{[9797]} ورديئا ، وإليه نسب جماعة من الناس الصوفية ؛ لأنه لباسهم في الغالب ، فالياء للنسب والهاء للتأنيث . وقد أنشدني بعض أشياخهم بالبيت المقدس طهره الله :

تشاجر الناس في الصُّوفي واختلفوا *** فيه وظنوه مشتقا من الصوفِ

ولست أنحَلُ هذا الاسم غيرَ فتى *** صافى فصُوفِي حتى سُمِّيَ الصوفي


[9791]:ذات الأصابع والجواء: موضعان بالشام، وعذراء: قرية بغوطة دمشق.
[9792]:الحسحاس: اسم رجل. والروامس: الرياح التي تثير التراب وتدفن الآثار.
[9793]:راجع ص 122 من هذا الجزء.
[9794]:راجع ج 12 ص 117.
[9795]:القطف (جمع قطيفة) كساء له خمل، أي وبر.
[9796]:أثباج: جمع ثبج، وهو وسطها. وقبل: ظهرها. وقيل: ما بين كاهلها وظهرها.
[9797]:شيء مقارب (بكسر الراء): وسط بين الجيد والرديء.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} (5)

قوله تعالى : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ( 5 ) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ( 6 ) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم ( 7 ) } ( الأنعام ) جمع نعم ، وهي الإبل والبقر والغنم . قيل : سميت بالأنعام لنعومة مشيها بخلاف ذات الحافر . ولا يقال أنعام إلا إذا كان فيها إبل . ونصبت الأنعام على المفعولية لفعل مضمر يفسره قوله : ( خلقها ) .

والأنعام من أصناف ما أنعم الله به على عباده لما فيها من عظيم المنافع والفوائد . وذلك ما يبينه قوله : ( لكم فيها دفء ) فيها خبر مقدم ، ودفء مبتدأ مؤخر . والمراد بالدفء ما يُستدفأ به من أوبارها وأشعارها وأصوافها . وفسره ابن عباس بالثياب والعموم أولى استنادا إلى الظاهر .

قوله : ( منافع ) ما ينتفع به من الركوب والحراثة ونضح الماء ، والدر والنسل . وغير ذلك من وجوه المنافع المستفادة من الأنعام .

قوله : ( ومنها تأكلون ) أي مما يؤكل من الأنعام كلحومها وشحومها وألبانها وعلى هذا تكون ( من ) للتبعيض .