ثم خصَّ شجرةَ الزيتون بالذكر لما لها من المنافع والقدر الكبير فقال :
{ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ }
وخلقنا لكم شجرة الزيتون التي تنبت في منطقة طورِ سيناء ، وهي من أكثر الشجَر فائدةً بزيتها وزيتونها وخشَبها ، وفيها طعامٌ للناس .
والزيتونة تعمر طويلاً ، لا تحتاج إلى خدمة كثيرة ، وهي دائمة الخضرة . ويعتبر الزيتون مادة غذائية جيدة ، فيه نسبةٌ كبيرة من البروتين ، بالإضافة الى عدة موادّ هامة وأساسية في غذاء الانسان . وزيتُ الزيتون من أهم أنواع الدهون ، وهو يُستعمل في كثير من أنواع الطعام ، لأنه يفيدُ الجهاز الهضمي عامة ، والكبدَ خاصة . وهو يفضُل جميع أنواع الدهون النباتية والحيوانية ، ويُستعمل في كثير من الأدوية والمنظِّفات مثل الصابون والصناعات الغذائية .
وفي الحديث الشريف : « كلوا الزيتَ وادّهنوا به فإنه من شجرةٍ مباركة » رواه احمد والترمذي وابن ماجه عن سدينا عمر بن الخطاب ، والحاكمُ عن أبي هريرة .
وبعد أن بَين لنا فوائد النبات انتقل الى عالم الحيوان ، وكل هذه المخلوقات إنّما نشأت من الماء .
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو : سيناء بكسر السين ، والباقون : سيناء بفتح السين وهما لغتان . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : « تنبت » بضم التاء وكسر الباء . والباقون : تنبت بفتح التاء وضم الباء .
الأولى-قوله تعالى : " وشجرة " شجرة عطف على جنات . وأجاز الفراء الرفع لأنه لم يظهر الفعل ، بمعنى وثم شجرة ، ويريد بها شجرة الزيتون . وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرهما من البلاد ، وقلة تعاهدها بالسقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار . " تخرج " في موضع الصفة . " من طور سيناء " أي أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه . وطور سيناء من أرض الشام وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام ، قاله ابن عباس وغيره ، وقد تقدم في البقرة والأعراف{[11643]} . والطور الجبل في كلام العرب . وقيل : هو مما عرب من كلام العجم . وقال ابن زيد : هو جبل بيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة{[11644]} . واختلف في سيناء ، فقال قتادة : معناه الحسن ، ويلزم على هذا التأويل أن ينون الطور على النعت . وقال مجاهد : معناه مبارك . وقال معمر عن فرقة : معناه شجر ، ويلزمهم أن ينونوا الطور . وقال الجمهور : هو اسم الجبل ، كما تقول جبل أحد . وعن مجاهد أيضا : سيناء حجر بعينه أضيف الجبل إليه لوجوده عنده . وقال مقاتل : كل جبل يحمل الثمار فهو سيناء ، أي حسن . وقرأ الكوفيون بفتح السين على وزن فعلاء ، وفعلاء في كلام العرب كثير ، يمنع من الصرف في المعرفة والنكرة ؛ لأن في آخرها ألف التأنيث ، وألف التأنيث ملازمة لما هي فيه ، وليس في الكلام فعلاء ، ولكن من قرأ سيناء بكسر السين جعله فِعلالا ، فالهمزة فيه كهمزة حِرباء ، ولم يصرف في هذه الآية لأنه جعل اسم بقعة ، وزعم الأخفش أنه اسم أعجمي .
الثانية-قوله تعالى : " تنبت بالدهن " قرأ الجمهور " تنبت " بفتح التاء وضم الباء ، والتقدير : تنبت ومعها الدهن ، كما تقول : خرج زيد بسلاحه . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بقسم التاء وكسر الباء . واختلف في التقدير على هذه القراءة ، فقال أبو علي الفارسي : التقدير تنبت جناها ومعه الدهن ، فالمفعول محذوف . وقيل : الباء زائدة ، مثل " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " [ البقرة : 195 ] وهذا مذهب أبي عبيدة . وقال الشاعر :
هن الحرائرُ لا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍ{[11645]} *** سُودُ المَحَاجِرِ لاَ يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ
ونحو هذا قاله أبو علي أيضا ، وقد تقدم . وقيل : نبت وأنبت بمعنى ، فيكون المعنى كما مضى في قراءة الجمهور ، وهو مذهب الفراء وأبي إسحاق ، ومنه قول زهير :
والأصمعي ينكر أنبت ، ومنه قصيدة زهير التي فيها :
رأيتُ ذوي الحاجات حول بيوتهم *** قطيناً بها حتى إذا أنبت البقل
أي نبت . وقرأ الزهري والحسن والأعرج " تنبت بالدهن " برفع التاء ونصب الباء . قال ابن جني والزجاج : هي باء الحال ، أي تنبت ومعها دهنها . وفي قراءة ابن مسعود : " تخرج بالدهن " وهي باء الحال . ابن درستويه : الدهن الماء اللين ، تنبت من الإنبات . وقرأ زر بن حبيش " تنبت - بضم التاء وكسر الباء - الدهن " بحذف الباء ونصبه . وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب " بالدهان " . والمراد من الآية تعديه نعمة الزيت على الإنسان ، وهي من أركان النعم التي لا غنى بالصحة عنها . ويدخل في معنى الزيتون شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأقطار .
الثالثة : قوله تعالى : " وصبغ للآكلين " قراءة الجمهور . وقرأت فرقة " وأصباغ " بالجمع . وقرأ عامر بن عبد قيس " ومتاعا " ، ويراد به الزيت الذي يصطبغ به الأكل ، يقال : صبغ وصباغ ؛ مثل دبغ ودباغ ، ولبس ولباس . وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ ، حكاه الهروي وغيره . وأصل الصبغ ما يلون به الثوب ، وشبه الإدام به ؛ لأن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه . وقال مقاتل : الأدم الزيتون ، والدهن الزيت . وقد جعل الله تعالى في هذه الشجرة أدما ودهنا ، فالصبغ على هذا الزيتون .
الرابعة : لا خلاف أن كل ما يصطبغ فيه من المائعات كالزيت والسمن والعسل والرب والخل وغير ذلك من الأمراق أنه إدام . وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخل فقال : ( نعم الإدام الخل ) رواه تسعة من الصحابة ، سبعة رجال وامرأتان . وممن رواه في الصحيح جابر وعائشة وخارجة وعمر وابنه عبيد الله وابن عباس وأبو هريرة وسمرة بن جندب وأنس وأم هانئ .
الخامسة : واختلف فيما كان جامدا كاللحم والتمر والزيتون وغير ذلك من الجوامد ، فالجمهور أن ذلك كله إدام ، فمن حلف ألا يأكل إداما فأكل لحما أو جبنا حنث . وقال أبو حنيفة : لا يحنث ، وخالفه صاحباه . وقد روي عن أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة . والبقل ليس بإدام في قولهم جميعا . وعن الشافعي في التمر وجهان ، والمشهور أنه ليس بإدام لقوله في التنبيه : وقيل يحنث ، والصحيح أن هذا كله إدام . وقد روى أبو داود عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة فقال : ( هذا إدام هذه ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم ) . ذكره أبو عمر . وترجم البخاري ( باب الإدام ) وساق حديث عائشة ، ولأن الإدام مأخوذ من المؤادمة وهي الموافقة ، وهذه الأشياء توافق الخبز فكان إداما . وفي الحديث عنه عليه السلام : ( ائتدموا ولو بالماء ) . ولأبي حنيفة أن حقيقة الإدام الموافقة في الاجتماع على وجه لا يقبل الفصل ، كالخل والزيت ونحوهما ، وأما اللحم والبيض وغيرهما لا يوافق الخبز بل يجاوزه{[11646]} كالبطيخ والتمر والعنب . والحاصل : أن كل ما يحتاج في الأكل إلى موافقة الخبز كان إداما ، وكل ما لا يحتاج ويؤكل على حدة لا يكون إداما ، والله أعلم .
السادسة : روى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ) . هذا حديث لا يعرف إلا من حديث عبد الرزاق ، وكان يضطرب فيه ، فربما يذكر فيه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وربما رواه على الشك فقال : أحسبه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وربما قال : عن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال مقاتل : خص الطور بالزيتون ؛ لأن أول الزيتون نبت منها . وقيل : إن الزيتون أول شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان . والله أعلم .
قوله : ( وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن ) ( شجرة ) ، منصوب بالعطف على ( جنات ) . . والتقدير : فأنشأنا لكم به جنات وشجرة تخرج من طور سيناء . و ( سيناء ) ، بفتح السين بمنزلة حمراء . فلم يُصرف للتأنيث . وتنبت بالدهن . بفتح التاء ، والباء للتعدية . وقيل : الباء زائدة ؛ لأن الفعل متعد بالهمزة . والتقدير : تنبت الدهن . كقوله : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) أي لا تلقوا أيديكم{[3163]} . وقيل : الباء للحال ؛ أي تنبت ومعها الدهن وهو الزيت .
والمراد بالشجرة هنا : شجرة الزيتون . و ( طور سيناء ) ، أي طور سنين ، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام . قوله : ( وصبغ للآكلين ) الصبغ ، معناه الأدم ، ينتفع به الناس للأكل والادّهان . وفي هذا روى الإمام أحمد عن مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري قال : قال رسول الله ( ص ) : " كلوا الزيت وادّهنوا به ؛ فإنه من شجرة مباركة " .