نستحْيِ : نستبقي نساءهم أحياء .
بعد أن شاهد فرعون وقومه ما شاهدوا ، من ظهور موسى وغلبتِه وإيمان السحرة به ، قال الأشراف الكبراء من القوم : يا فرعون الجبار ، هل تترك موسى وقومه أحرارا آمنين ؟ إنَّ عاقبتهم إن ظلّوا في هذه الديار أن يفسدوا عليك قومك بإدخالهم في دينهم ، وعندئذ يظهر لأهل مصر عجزُك وعجز آلهتك .
قال فرعون مجيبا للملأ : سنقتل أبناء قوم موسى كلّما تناسلوا ، ونستبقي نساءهم أحياء ، فهن يخدمننا . بذلك لا يكون لهم قوة ، { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } نقهرهم بالغلبة والسلطان . سنظل معهم كما كنا من قبل ، فلا يقدرون على أذانا ، ولا الإفساد في أرضنا .
قوله تعالى : " وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض " أي بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل . " ويذرك " بنصب الراء جواب الاستفهام ، والواو نائبة عن الفاء . " وآلهتك " قال الحسن : كان فرعون يعبد الأصنام ، فكان يعبد ويعبد . قال سليمان التيمي : بلغني أن فرعون كان يعبد البقر . قال التيمي : فقلت للحسن هل كان فرعون يعبد شيئا ؟ قال نعم ، إنه كان يعبد{[7294]} شيئا كان قد جعل في عنقه . وقيل : معنى " وآلهتك " أي وطاعتك ، كما قيل في قوله : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله{[7295]} " [ التوبة : 31 ] إنهم ما عبدوهم ولكن أطاعوهم ، فصار تمثيلا . وقرأ نعيم بن ميسرة " ويذرك " بالرفع على تقدير وهو يذرك . وقرأ الأشهب العقيلي " ويذرك " مجزوما مخفف يذرك لثقل الضمة . وقرأ أنس بن مالك " ونذرك " بالرفع والنون . أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسى حيا . وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك " وإلا هتك " ومعناه وعبادتك . وعلى هذه القراءة كان يعبد ولا يعبد ، أي ويترك عبادته لك . قال أبو بكر الأنباري : فمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال " أنا ربكم الأعلى{[7296]} " [ النازعات : 24 ] و " ما علمت لكم من إله غيري{[7297]} " [ القصص : 38 ] نفى أن يكون له رب مع إلاهة . فقيل له : ويذرك وإلاهتك ، بمعنى ويتركك وعبادة الناس لك . وقراءة العامة " وآلهتك " كما تقدم ، وهي مبنية على أن فرعون ادعى الربوبية في ظاهر أمره وكان يعلم أنه مربوب . ودليل هذا قوله عند حضور الحمام " آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل{[7298]} " [ يونس : 90 ] فلم يقبل هذا القول منه لما أتى به{[7299]} بعد إغلاق باب{[7300]} التوبة . وكان قبل هذا الحال له إله يعبده سرا دون رب العالمين جل وعز ، قاله الحسن وغيره . وفي حرف أبي " أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك " . وقيل : " وإلا هتك " قيل : كان يعبد بقرة ، وكان إذا استحسن بقرة أمر بعبادتها ، وقال : أنا ربكم ورب هذه . ولهذا قال : " فأخرج لهم عجلا جسدا{[7301]} " [ طه : 88 ] . ذكره ابن عباس والسدي . قال الزجاج : كان له أصنام صغار يعبدها قومه تقربا إليه فنسبت إليه ؛ ولهذا قال : " أنا ربكم الأعلى " . قال إسماعيل بن إسحاق : قول فرعون " أنا ربكم الأعلى " . يدل على أنهم كانوا يعبدون شيئا غيره . وقد قيل : إن المراد بالإلاهة على قراءة ابن عباس البقرة التي كان يعبدها . وقيل : أرادوا بها الشمس وكانوا يعبدونها . قال الشاعر :
وأَعْجَلْنَا الإلاهَةَ أن تؤوبَا
ثم آنس قومه فقال " سنقتل أبناءهم " بالتخفيف ، قراءة نافع وابن كثير . والباقون بالتشديد على التكثير . " ونستحيي نساءهم " أي لا تخافوا جانبهم . " وإنا فوقهم قاهرون " آنسهم بهذا الكلام . ولم يقل سنقتل موسى لعلمه أنه لا يقدر عليه . وعن سعيد بن جبير قال : كان فرعون قد ملئ من موسى رعبا ، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار .
قوله تعالى : { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون } الاستفهام للإنكار على فرعون من أجل تركه موسى . يعني : أتترك موسى وقومه الذين آمنوا ليفسدوا أرض مصر ، فيفسدوا عليك شعبك وخدمك ، ويثيروا في الأرض الفرقة وشتات الشمل . وقوله : { وآلهتك } أي عبادتك يعني : أتترك كذلك موسى يترك طاعتك وعبادتك . وقيل : كانت للفراعنة آلهة من الأوثان كالشمس والنجوم .
كذلك قال الأشراف المنافقون من قوم فرعون . وهذا هو دين كل بطانة فاسدة مضلة من حول الحاكم المسلط المغرور . أولئك الذين يلهثون وراء الساسة والرؤساء الطغاة نفاقا وخيانة ثم يسولون لهم قتل الصالحين من الناس الذين يؤمنون بالله ورسوله ويدعون لإعلاء كلمته ودينه في الآفاق هذا هو ديدن المنافقين المبتذلين الأنذال في كل أمة وموضع . وأولئك الذين يطوفون من حول الحاكم الفاسد الغاشم تزلفا ونفاقا ليحرضوه على إبادة الإسلام وليسولوا له التنكيل بالمسلمين وفي طليعتهم العاملون الدعاة إلى الله .
قوله : { قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم } ذلك جواب الطاغية المغرور فرعون . أجاب حاشية وزبانيته من المنتفعين ومنافقين والأنذال –وهو تنتفخ أوداجه حماقة وصلفا وغرورا- أنه سيبطش برسول الله موسى ومن معه من المؤمنين ، وسيقتل- بالتشديد للمبالغة في التقتيل- أبناءهم الذكور ويستحي نساءهم ، أي يستبقيهن في الحياة من أجل التسخير والاستمتاع .
قوله : { وإنا فوقهم قاهرون } يعني : وإنا عالون عليهم بالقهر والإذلال . كذلك كان فرعون ، يخاطب المستضعفين من قوم موسى ، وهو تحفه من حوله فئة النفاق والتزلف والتحريض من المنتفعين والأنذال ، علاوة على طبيعة هذا الحاكم الغاشم المغرور الذي طغى وتجبر على نحو ليس له في العالمين نظير . وليس أدل على ذلك من اصطناعه الإلهية لنفسه بقوله لأهل مصر من القبط { أنا ربكم الأعلى } ولفرعون من الأشباه والنظراء من الساسة والقادة المتسلطين كثيرون أولئك الذين يتعالون على عباد الله المؤمنين ، ويكلون لهم صنوف التنكيل والقهر والعذاب في كل زمان{[1502]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.