تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

لا تبخسوا الناس : لا تنقصوهم حقوقهم .

ولا تفسدوا : الإفساد شامل لجميع الجرائم ، والإصلاح : ضده .

شُعيب نبيُّ من أنبياء العرب ، واسمه في التوراة رعوئيل ، ومعناه : صديقُ الله وقد ذُكر شعيب في القرآن الكريم عشر مرات : في سورة الأعراف ، وسورة هود ، وسورة الشعراء ، وسورة العنكبوت . أما قومُه فهم شعب مَدْيَن بنِ إبراهيم عليه السلام ، وكانت منازلهم في شمال الحجاز على الساحل .

وكان أهل مَدْيَن في عيشٍ رغيد لأنهم أهلُ تجارة . وكانوا يعبدون غير الله تعالى ، ويفعلون الشرور ، من ذلك أنهم كانوا يطفّفون المكيالَ والميزان ، ويماكسون الناس في سِلعهم ليشتروها بأبخس الأسعار . وكان شعيب ينهاهم عن كل ذلك ويحذّرهم بأسَ الله تعالى ، فأنكروا عليه ما جاء به ولم يستمعوا إليه .

ويسمّيه المفسرون خطيبَ الأنبياء ، لحُسن مراجعته لِقومه ، وبراعته في إقامة الحجة عليهم . ومع ذلك فقد مضَوا في غَيّهم ، وتمادَوا في صدّ الناس عنه .

{ وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ } .

ولقد أَرسلْنا إلى مَدْيَنَ أخاهم شعيباً قال : يا قوم ، اعبُدوا الله وحده ، قد جاءتكم الحججُ المبينةُ للحقِّ من ربكم مثْبِتَةً رسالتي إليكم . ( ولم تذكر الآية ما هي معجزته ولم يأتِ لها ذِكر في بقية السُوَر التي ذُكرت فيها قصةُ شعيب ) . غير أنه كانت هناك بينّة جاءهم بها ، ودعاهم إلى توحيد الله كما أمَرَهم بالإصلاح بينهم بالمعاملة العادلة .

{ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ } .

لقد أمرهم بإيفاء الكيلِ والميزان إذا باعوا ، ونهاهم عن أن يُنقِصوا حقوق الناس إذا اشتروا منهم . وطلب إليهم ألا يفسِدوا في الأرض الصالحة ، كإفساد الزرع وقطْع الأرحام والمودّة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

فيه أربع مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " وإلى مدين " قيل في مدين : اسم بلد وقطر . وقيل : اسم قبيلة كما يقال : بكر وتميم . وقيل : هم من ولد مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام . فمن رأى أن مدين اسم رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجمي . ومن رآه اسما للقبيلة أو الأرض فهو أحرى بألا يصرفه . قال المهدوي : ويروى أنه كان ابن بنت لوط . وقال مكي : كان زوج بنت لوط . واختلف في نسبه . فقال عطاء وابن إسحاق وغيرهما : وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام . وكان اسمه بالسريانية بيروت . وأمه ميكائيل بنت لوط . وزعم الشرقي بن القطامي أن شعيبا بن عيفاء بن يوبب بن مدين بن إبراهيم . وزعم ابن سمعان أن شعيبا بن جزى بن يشجر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم . وشعيب تصغير شعب أو شعب{[7253]} . وقال قتادة : هو شعيب بن يوبب{[7254]} . وقيل : شعيب بن صفوان بن عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم{[7255]} . والله أعلم . وكان أعمى{[7256]} ؛ ولذلك قال قومه : " وإنا لنراك فينا ضعيعا{[7257]} " [ هود : 91 ] . وكان يقال له : خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه . وكان قومه أهل كفر بالله وبخس للمكيال والميزان .

قوله تعالى : " قد جاءتكم بينة من ربكم " أي بيان ، وهو مجيء شعيب بالرسالة . ولم يذكر له معجزة في القرآن . وقيل : معجزته فيما ذكر الكسائي في قصص الأنبياء .

الثانية - قوله تعالى : " فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم " البخس النقص . وهو يكون في السلعة بالتعييب والتزهيد فيها ، أو المخادعة عن القيمة ، والاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه . وكل ذلك من أكل المال بالباطل ، وذلك منهي عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة الرسل صلوات الله وسلامه على جميعهم{[7258]} وحسبنا الله ونعم الوكيل .

الثالثة - قوله تعالى : " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " عطف على " ولا تبخسوا " . وهو لفظ يعم دقيق الفساد وجليله . قال ابن عباس : كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيبا رسولا يعمل فيها بالمعاصي وتستحل فيها المحارم وتسفك فيها الدماء . قال : فذلك فسادها . فلما بعث الله شعيبا ودعاهم إلى الله صلحت الأرض . وكل نبي بعث إلى قومه فهو صلاحهم .


[7253]:في شرح القاموس: "تصغير شعب أو شعب : كما قالوا في تصغير أسود سويد".
[7254]:في ع: ثويب.
[7255]:وردت هذه الأسماء مضطربة في نسخ الأصل وفي المصادر التي بين أيدينا ولم نوفق لضبطها .
[7256]:ليس رسول من الله أعمى وإنما شعيب الرجل صاحب موسى هو فيما قيل أعمى وبينهما ثلاثمائة سنة إذ عصمة الأنبياء ما ينفر من الصفات. مصححه.
[7257]:راجع ج 9 ص 84.
[7258]:من ع