تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة القيامة مكية وآياتها أربعون ، نزلت بعد سورة القارعة . وهي تعالج موضوع البعث والجزاء فإن هذا الموضوع جاء غريبا على المشركين الذين

لا يؤمنون به . وقد بدأت بالحديث عن يوم القيامة ، وأقسم الله بعظمة القيامة وبالنفس اللوامة الطماحة إلى الرقي ، التي لا ترضى بمرتبة إلا طلبت سواها ، ولا بحالة إلا أحبت ما تلاها ، ورامت ما فوقها . وهذا القسم كأنه استدلال على القيامة ، يقول : إن ما في النفوس من حب الرقي وعدم الوقوف عند حد محدود في هذه الحياة ، دليل على أن هناك حالا أخرى ينال فيها الإنسان ما كان يرغبه .

وأن هذا القسم وأمثاله لم يكن للعرب به عهد ، ولم يطرق آذانهم ، فإنهم تعودوا أن يُقسموا بالأشياء المعهودة فيما بينهم لا يتجاوزونها ، فيقسمون بالأب وبالعمر ، وبالكعبة . أما هذه الأقسام العجيبة فكانوا لا يعرفونها ، ولا يقسمون بها . . فإن فيها دلائل على ما يقصد في جوابها ، وفيها فتح باب البراهين والحكمة والعلم .

وبعد هذا القسَم العظيم بالقيامة وبالنفس اللوامة يؤكد الله تعالى أنه سيبعث الناس ويجمع عظامهم . وقد شرح ذلك بعض الشرح بقوله تعالى : { يسأل أيّان يوم القيامة ، فإذا برق البصر ، وخسف القمر ، وجُمع الشمس والقمر ، يقول الإنسان يومئذ أين المفر } . فأتى بثلاث علامات على يوم القيامة ، وعند ذلك يعاين الإنسان الحقائق ، ويعلم أنه لا مفر من عذاب الله ، ويرى حسابه بنفسه وكل

ما قدّم وأخر .

ثم يأتي بأربع آيات فيها توجيه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتعليم خاص في شأن تلقي هذا القرآن العظيم ، ليطمئنه إلى أنّ أمر هذا الوحي ، وحفظ القرآن ، وجمعه وبيان مقاصده ، كل أولئك موكول إلى الله ، وما عليه إلا أن يتلقى ويبلّغ ما تلقى .

ثم يوجه الردع إلى من يحبون العاجلة ويذرون الآخرة ، ثم يوازن بين وجوه المؤمنين الناضرة ، ووجوه الكافرين الباسرة الكالحة المعبسة .

ثم يأتي الحديث عن حقيقة الموت القاسية الرهيبة التي تواجه كل حي ، فلا يملك لها ردّا ، ولا يملك لها أحد ممن حوله دفعا . وهي تكرر في كل لحظة ، ويواجهها الكبار والصغار ، والأغنياء والفقراء ، والأقوياء والضعفاء ، ويقف الجميع منها موقفا واحدا لا حيلة ولا وسيلة ولا قوة ولا شفاعة { كلا إذا بلغت التراقي ، وقيل من راق ، وظن أنه الفراق ، والتفّت الساق بالساق ، إلى ربك يومئذ المساق } .

وبعد هذا المشهد الرهيب الذي حير البشر ، واستسلموا تجاهه لأمر الله ، تتحدث السورة عن النشأة الأولى ، ودلالتها على صدق الخبر بالنشأة الأخرى ، وعلى أن هناك تدبيرا في خلق هذا الإنسان وتقديرا ، كما أنها بينة لا تُرد على يسر النشأة الأخرى ، { أيحسب الإنسان أن يُترك سدى ، ألم يكُ نطفة من مني يُمنى ، ثم كان علقة فخلَقَ فسوّى ، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ، أليس ذلك بقادر على أن يُحيي الموتى } ؟ كما قدر الله على الخلق الأول وأوجد الإنسان من نطفة لا ترى بالعين المجردة ، فمن الهيّن عليه أن يعيده خلقا جديدا .

وقد سميت السورة " سورة القيامة " بقوله تعالى { لا أقسم بيوم القيامة } ولأنها تعالج هذا الموضوع بأسلوب عظيم ، وأداء ممتاز بعرض مشاهد يوم القيامة

وما يمس الإنسان من خلق وموت وحياة وتختم السورة كما بدئت بإثبات الحشر والمعاد .

لا أُقسِم بيوم القيامة : إن الامر لا يحتاج إلى قسم لأنه في غاية الوضوح .

أقسم الله تعالى بعظمة يوم القيامة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة القيامة [ وهي ] مكية

{ 1 - 6 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ }

ليست { لا } [ ها ] هنا نافية ، [ ولا زائدة ] وإنما أتي بها للاستفتاح والاهتمام بما بعدها ، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين ، لا يستغرب الاستفتاح بها ، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح .

فالمقسم به في هذا الموضع ، هو المقسم عليه ، وهو البعث بعد الموت ، وقيام الناس من قبورهم ، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ} (1)

مقدمة السورة:

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة القيامة

مقدمة وتمهيد

1- سورة " القيامة " من السور المكية الخالصة ، وتعتبر من السور التي كان نزولها في أوائل العهد المكي ، فهي السورة الحادية والثلاثون في ترتيب النزول ، وكان نزولها بعد سورة ( القارعة ) وقبل سورة ( الهمزة ) . أما ترتيبها في المصحف فهي السورة الخامسة والسبعون .

وعدد آياتها أربعون آية في المصحف الكوفي ، وتسع وثلاثون في غيره .

2- والسورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن أحوال الناس فيه : [ وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة . ووجوه يومئذ باسرة . تظن أن يفعل بها فاقرة ] .

كما أنها تتحدث عن إمكانية البعث ، وعن حتمية وقوعه : [ أيحسب الإنسان أن يترك سدى . ألم يك نطفة من مني يمنى ، ثم كان علقة فخلق فسوى . فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى . أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ؟ ] .

ولقد روي عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- أنه قال : من سأل عن يوم القيامة ، أو أراد أن يعرف حقيقة وقوعه ، فليقرأ هذه السورة .

افتتح الله - تعالى - هذه السورة الكريمة بقوله - تعالى - : { لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة } .

وللعلماء فى مثل هذا التركيب أقوال منها : أن حرف " لا " هنا جئ به ، لقصد المبالغة فى تأكيد القسم ، كما فى قولهم : لا والله .

قال الآلوسى : إدخال " لا " النافية صورة على فعل القسم ، مستفيض فى كلامهم وأشعارهم .

ومنه قول امرئ القيس : لا وأبيك يا بنة العامرى . . يعنى : وأبيك .

ثم قال : وملخص ما ذهب إليه جار الله فى ذلك ، أن " لا " هذه ، إذا وقعت فى خلال الكلام كقوله - تعالى - { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } فهى صلة تزاد لتأكيد القسم ، مثلها فى قوله - تعالى - : { لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب } لتأكيد العلم . .

ومنها : أن " لا " هنا ، جئ بها لنفى ورد كلام المشركين المنكرين ليوم القيامة فكأنه - تعالى - يقول : لا ، ليس الأمر كما زعموا ، ثم قال : أقسم بيوم القيامة الذى يبعث فيه الخلق للجزاء .

قال القرطبى : وذلك كقولهم : لا والله لا أفعل . فلا هنا رد لكلام قد مضى ، وذلك كقولك : لا والله إن القيامة لحق ، كأنك أكذبت قوما أنكروها . .

ومنها : أن " لا " فى هذا التركيب وأمثاله على حقيقتها للنفى ، والمعنى لا أقسم بيوم القيامة ولا بغيره ، على أن البعث حق ، فإن المسألة أوضح من أن تحتاج إلى قسم .

وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال : وصيغة لا أقسم ، صيغة قسم ، أدخل حرف النفى على فعل " أقسم " لقصد المبالغة فى تحقيق حرمة المقسم به ، بحيث يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به ، ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول : لا أقسم به ، أى : ولا أقسم بأعز منه عندى . وذلك كنانية عن تأكيد القسم .

والمراد بالنفس اللوامة : النفس التقية المستقيمة التى تلوم ذاتها على ما فات منها ، فهى - مهما أكثرت من فعل الخير - تتمنى أن لو ازدادت من ذلك ، ومهما قللت من فعل الشر ، تمنت - أيضا - أن لو ازدادت من هذا التقليل .

قال ابن كثير : عن الحسن البصرى فى هذه الآية : إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه ، يقول : ما أردت بكلمتى ؟ ما أردت بأكلتى ؟ . . وإن الفاجر قدما ما يعاتب نفسه .

وفى رواية عن الحسن - أيضا - ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة .