تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} (107)

ضرارا : لمحاولة الضرر .

أرصادا : ارتقابا .

سبب نزول هذه الآيات أنه كان في المدينة رجل اسمه أبو عامر الراهب ، قد تنصّر في الجاهلية وقرأ التوراة . وكان فيه عبادةٌ في الجاهلية وله شرفٌ كبير بين قومه من الأوس والخزرج ، فلما قدِم الرسول إلى المدينة دعاه إلى الله وقرأ عليه القرآن ، فأبى أبو عامرٍ أن يُسلم وتمرَّد ، فدعا عليه الرسول أن يموت طريداً . . . فنالته الدعوة وماتَ في بلاد الروم .

وقد تجمَّع حوله جماعةٌ من المنافقين ، ورأوا أن أفضلَ وسيلةٍ يكيدون فيها للإسلام ونبيّه الكريم أن يبنوا مسجداً تحت شعار الدين ، ثم يعملون للكفرِ بالله ورسوله ، ولهدْمِ الإسلام ، والإضرار بالمسلمين وتفريقِ كلمتهم .

وقد بنوا المسجد وفرغوا منه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، وجاؤوا فسألوه أن يصلّيَ في مسجدهم ليكون ذلك ذريعةً إلى غَرِضهم ، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلّة في الليلة الشاتية . فقال لهم الرسول الكريم : إنا على سَفرٍ ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله .

وقبل أن يصل المدينةَ في رجوعه من تبوك نزلت عليه هذه الآيات ، فبعثَ بعضَ أصحابه وأمرهم أن يهِدموا ذلك المسجدَ ، ففعلوا .

أما أبو عامر الفاسق كما سمّاه الرسول فإنه لما رأى الإسلام في ظهورٍ وارتفاع ، هربَ إلى هِرَقْلَ ملكِ الروم يستنصره . فوعده هذا وأقام أبو عامر عنده ، وكتب إلى جماعة من أهل النفاق في قومه يعدُهم بأنه سيقدم بجيشٍ يقاتل به رسول الله ، وأمرهم أن يتخذوا معقِلا يَقْدَم عليهم فيه ، ويكون له مرصدا بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجدٍ مجاورٍ لمسجِد قُباء كما تقدّمت قصته ، وهلك أبو عامر ولم يعد .

وأبو عامر هذا من الأوس ، لكنه ورد في تفسير ابن كثير أنه من الخزرج . . وقديماً كانوا يسمُّون الأوسَ والخزرج باسمِ «الخزرج » .

هذا هو مسجد الضرار الذي اتخذ على عهد رسول الله مكيدةً للإسلام والمسلمين .

{ والذين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } .

من المنافقين جماعة بنوا مسجدا لا يبتغون به وجه الله ، وأنما لإلحاق الضرر والتفريق بين جماعة المؤمنين . وسيحلفون على أنهم ما أرادوا ببناء هذا المسجد إلا الخير والعمل الأحسن ، لكن الله يشهدُ عليهم أنهم كاذبون في أيمانهم .

قراءات :

قرأ نافع وابن عامر : «الذين اتخذوا مسجدا ضرارا . . . » بدون واو والباقون : «والذين . . . . » .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} (107)

{ 107 - 110 } { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }

كان أناس من المنافقين من أهل قباء اتخذوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء ، يريدون به المضارة والمشاقة بين المؤمنين ، ويعدونه لمن يرجونه من المحاربين للّه ورسوله ، يكون لهم حصنا عند الاحتياج إليه ، فبين تعالى خزيهم ، وأظهر سرهم فقال : { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا ْ } أي : مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه { وَكُفْرًا ْ } أي : قصدهم فيه الكفر ، إذا قصد غيرهم الإيمان .

{ وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ْ } أي : ليتشعبوا ويتفرقوا ويختلفوا ، { وَإِرْصَادًا ْ } أي : إعدادا { لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ْ } أي : إعانة للمحاربين للّه ورسوله ، الذين تقدم حرابهم واشتدت عداوتهم ، وذلك كأبي عامر الراهب ، الذي كان من أهل المدينة ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة ، كفر به ، وكان متعبدا في الجاهلية ، فذهب إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .

فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره ، فهلك اللعين في الطريق ، وكان على وعد وممالأة ، هو والمنافقون . فكان مما أعدوا له مسجد الضرار ، فنزل الوحي بذلك ، فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم من يهدمه ويحرقه ، فهدم وحرق ، وصار بعد ذلك مزبلة .

قال تعالى بعدما بين من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد { وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا ْ } في بنائنا إياه { إِلَّا الْحُسْنَى ْ } أي : الإحسان إلى الضعيف ، والعاجز والضرير .

{ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ْ } فشهادة اللّه عليهم أصدق من حلفهم .