قوله تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } فيها مسألتان :
الأولى : " ود " تمنى ، وقد تقدم{[1066]} . " كفارا " مفعول ثان ب " يردونكم " . " من عند أنفسهم " قيل : هو متعلق " بود " . وقيل : ب " حسدا " ، فالوقف على قوله : " كفارا " . و " حسدا " مفعول له ، أي ودوا ذلك للحسد ، أو مصدر دل على ما قبله على الفعل . ومعنى " من عند أنفسهم " أي من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا أمروا به ، ولفظة الحسد تعطى هذا . فجاء " من عند أنفسهم " تأكيدا وإلزاما ، كما قال تعالى :
{ يقولون بأفواههم{[1067]} }[ آل عمران : 167 ] ، { يكتبون الكتاب بأيديهم } [ البقرة : 79 ] ، { ولا طائر يطير بجناحيه{[1068]} } .
[ الأنعام : 38 ] . والآية في اليهود .
الثانية : الحسد نوعان : مذموم ومحمود ، فالمذموم : أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم ، وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا ، وهذا النوع الذي ذمه الله تعالى في كتابه بقوله : { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله{[1069]} } [ النساء : 54 ] وإنما كان مذموما لأن فيه تسفيه الحق سبحانه ، وأنه أنعم على من لا يستحق . وأما المحمود فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله عليه السلام : " لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار " . وهذا الحسد معناه الغبطة . وكذلك ترجم عليه البخاري " باب الاغتباط في العلم والحكمة " . وحقيقتها : أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره ، وقد يجوز أن يسمى هذا منافسة ، ومنه قوله تعالى : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون{[1070]} } [ المطففين : 26 ] أي { من بعد ما تبين لهم الحق } أي من بعد ما تبين الحق لهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، والقرآن الذي جاء به .
قوله تعالى : { فاعفوا واصفحوا } فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى : { فاعفوا } والأصل اعفووا ، حذفت الضمة لثقلها ، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين . والعفو : ترك المؤاخذة بالذنب . والصفح : إزالة أثره من النفس . صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه . وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته ، ومنه قوله تعالى :
{ أفنضرب عنكم الذكر صفحا{[1071]} } [ الزخرف : 5 ] .
الثانية : هذه الآية منسوخة بقوله : { قاتلوا الذين لا يؤمنون } [ التوبة : 29 ] إلى قوله : { صاغرون{[1072]} } [ التوبة : 29 ] عن ابن عباس . وقيل : الناسخ لها { فاقتلوا المشركين{[1073]} } [ التوبة : 5 ] . قال أبو عبيدة : كل آية فيها ترك للقتال فهي مكية منسوخة بالقتال . قال ابن عطية : وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف ، لأن معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة .
قلت : وهو الصحيح ، روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية{[1074]} وأسامة وراءه ، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر ، فسارا حتى مرا بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول{[1075]} - وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي - فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة{[1076]} الدابة خمَّر{[1077]} ابن أبي أنفه بردائه وقال : لا تغبروا علينا ! فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل ، فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن ، فقال له عبدالله بن أبي بن سلول : أيها المرء ، لا أحسن مما تقول إن كان حقا ! فلا تؤذنا به في مجالسنا ، [ ارجع إلى رحلك ] فمن جاءك فاقصص عليه . قال عبدالله بن رواحة : بلى يا رسول الله ، فاغشنا في مجالسنا ، فإنا نحب ذلك . فاستتب المشركون والمسلمون واليهود حتى كادوا يتثاورون ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( [ يا سعد ]{[1078]} ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب - يريد عبدالله بن أبي - قال كذا وكذا ) فقال : أي رسول الله ، بأبي أنت وأمي ! اعف عنه واصفح ، فوالذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك ، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة{[1079]} على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة ، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك ، فذلك فعل ما رأيت ، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله تعالى ، ويصبرون على الأذى ، قال الله عز وجل : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا{[1080]} } [ آل عمران : 186 ] ، وقال : { ود كثير من أهل الكتاب } فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به حتى أذن له فيهم ، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فقتل الله به من قتل من صناديد الكفار وسادات قريش ، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه غانمين منصورين ، معهم أسارى من صناديد الكفار وسادات قريش ، قال عبدالله بن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان : هذا أمر قد توجه{[1081]} ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ، فأسلموا .
قوله تعالى : { حتى يأتي الله بأمره } يعني قتل قريظة وجلاء بني النضير . { إن الله على كل شيء قدير }{[1082]} تقدم ذكره ولله الحمد .
قوله تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير } يتمنى كثير من أهل الكتاب . يهودا ونصارى- لو يرتد المسلمون عن دينهم إلى الكفر . وقوله : { حسدا } مفعول لأجله . أي أن تمنيهم بردة المسلمين إلى الكفر أساسه الحسد الذي تختزنه نفوس هؤلاء الضالين المبغضين والذين لا يتمنون للإسلام والمسلمين غير التدمير والخسران . فهم يحسدون المسلمين على ما جاءهم من الحق . وهو الحق في العقيدة الواضحة المستنيرة المستقيمة ، الحق في التشريع العظيم الذي يتناول قضايا البشرية في كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقضائية والتربوية ، وهو الحق الذي يصنع الإنسان الصالح المميز ، بكل ما في الكلمة من معنى . إنه المميز في طبعه السليم ، وفي خلقه السوي المفضال ، وفي سيرته وسلوكه المبرأ من آفات المشركين والمضلين والمفسدين .
إن هذا الإنسان الصالح ، في طبعه ونفسه وسلوكه ، والصالح في فكره وما حواه العقل من مذخور المعرفة والتصور ، لهو الذي يثير في نفوس الكفرة المتعصبين اللُّد خصلة الحسد فيتمنون بذلك عودة المسلمين إلى دين غير دينهم ، إلى دين أو ملة أخرى تحرفهم عن سلامة العقيدة والفكر ، وعن سلامة الوعي والتصور الذي يبعثه الإسلام في الإنسان . يتمنون أن تتجه قلوب المسلمين وعقولهم إلى أية عقيدة أو ديانة أخرى غير الإسلام ؛ ليتسنى بعد ذلك قودهم إلى مباءات الضعف والخور والانحلال والتبعية فينماعوا في الأرض شاردين ضالين حيارى . أو ليتقلبوا ضعافا تابعين تتشبث أهواؤهم بأهل الكتاب وهم يركضون وراءهم ركض اللاهث الذليل المستضعف .
والحسد نوعان : أحدهما مذموم ، والآخر محمود . أم المذموم : فهو أن يتمنى المرء أن تكون له النعمة كالتي عند غيره مع رغبته في زوالها من عند هذا الآخر ، والتمني في ذاته لا بأس فيه لو لم يكن مقترنا برغبة الزوال للخير والنعمة من عند الآخرين . وهو إحساس يبسط للعيان حقيقة طبع فاسد وبغيض يتمنى معه الحسود لو تنمحق النعمة أو الخير من عند أصحابه .
وأما الحسد المحمود : فهو أن يتمنى المرء ما لدى غيره من الخير والنعمة مع رغبته في دوامها عنده . فهو يجب أن تكون له النعمة كالتي عند غيره ، وما في ذلك من بأس ، وذلك إحساس فطري معقول لا يصطدم بطبيعة هذا الدين الذي يلائم الفطرة البشرية أعظم تلاؤم ، لكنه لا تخالطه أدران الأنانية والأثرة ليتمنى زوال هذه النعم من عند غيره . ويمكن أن يطلق على هذا التمني المشروع " الغبطة " وهي تمني ما عند الآخرين مع الرغبة في بقائها عندهم{[111]} . وللاستدلال على وجود هذا الضرب من الحسد المشروع يقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار " {[112]} .
قوله : { من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } أي أنهم كانوا يحسدون المسلمين ويتمنون لهم الضلال والارتداد عن دينهم ولم يكن تمنيهم هذا صادرا عن كتاب لهم ولا أمروا به ، بل كان من تلقاء أنفسهم وطبائعهم الحاقدة الحاسدة ، هذه الطبائع الملتوية الشاذة التي لا تحب الخير للإسلام أو المسلمين . فهم في حسدهم هذا لا يستندون إلى مبرر أو دليل إلا الكراهية البحتة والحسد الحاقد الممحض . مع أن هؤلاء أعراف الناس بحقيقة النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ وذلك لمعرفتهم المسبقة بأنه المبعوث من عند الله ليكون للناس رسولا وهاديا ونذيرا . وهي حقيقة ما كانت تغيب عن أذهانهم لولا الطبع الفاسد وما كان يركم في نفوسهم من حسد . فقد كانوا يتلون في كتبهم السماوية أن هذا النبي مرسل من عند الله ، فلا هو بالمنتحل ولا هو بالمفتري .
قوله : { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } يأمر الله عباده المؤمنين أن يظلوا صابرين على الحق مستمسكين بدين الله ، فلا تزعزعهم مكائد الكافرين وأذاهم . ويأمر الله كذلك أن يتجاوزوا عن مساءلة الظالمين الكافرين بالعفو والصفح ، فلا يؤاخذوهم ولا يحاسبوهم على ما اقترفوه من إضرار وتأذية إلى أن يكتب الله لهم النصر . وقد ذهبت جمهرة كبيرة من أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة ، نسختها آيات القتال . وذلك كقوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } .
وقوله تعالى أيضا : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ويؤيد قولهم بالنسخ هنا قوله تعالى بعد ذلك : { حتى يأتي الله } .
وقيل : إن الآية محكمة ولم يقع عليها نسخ . والمراد أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلمين مدعوون جميعا للصبر على البلاء مما يلحق بهم من ضروب الضرر والتعدي . وذلك هو شأن المسلم ؛ إذ يجلله الخلق الكريم فيبادر بالعفو والصفح عن مساءات الظالمين الذين ما فتئوا يثيرون في وجوه المسلمين الشر والعدوان والأذى .
قوله : { إن الله على كل شيء قدير } وهذه الحقيقة متسقة تماما مع الوعد السابق في قوله تعالى : { حتى يأتي الله بأمره } فهو جلت قدرته قد كتب النصر لعباده الصابرين العاملين ، وكتب أن الغلبة له سبحانه ورسله { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } وذلك كله على الله هين ويسير ؛ لأنه سبحانه على كل شيء قدير .