قوله تعالى : " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل " هذا تنبيه على عظم قدر يوم القيامة ؛ أي قصدنا في ذلك إلى ما كان يعمله المجرمون من عمل بر عند أنفسهم . يقال : قدم فلان إلى أمر كذا أي قصده . وقال مجاهد : " قدمنا " أي عمدنا . وقال الراجز :
وقدم الخوارجُ الضلال *** إلى عِبَاد ربهم فقالوا
وقيل : هو قدوم الملائكة ، أخبر به نفسه تعالى فاعله{[12112]} . " فجعلناه هباء منثورا " أي لا ينتفع به ، أي أبطلناه بالكفر . وليس " هباء " من ذوات الهمز وإنما همزت لالتقاء الساكنين . والتصغير هبي في موضع الرفع ، ومن النحويين من يقول : هبي{[12113]} في موضع الرفع ، حكاه النحاس . وواحده هباة والجمع أهباء . قال الحارث بن حلزة يصف ناقة :
فترى خِلْفَها من الرَّجْع والوَقْ *** *** عِ مَنِينًا كأنه أهباءُ{[12114]}
وروى الحرث عن علي قال : الهباء المنثور شعاع الشمس الذي يدخل من الكوة . وقال الأزهري : الهباء ما يخرج من الكوة في ضوء الشمس شبيه بالغبار . تأويله : إن الله تعالى أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور . فأما الهباء المنبث . فأما الهباء المنبث فهو ما تثيره الخيل بسنابكها من الغبار . والمنبث المتفرق . وقال ابن عرفة : الهبوة والهباء التراب الدقيق . الجوهري : ويقال له إذا ارتفع هبوا وأهبيته أنا . والهبوة الغبرة . قال رؤبة .
تبدو لنا أعلامُه بعد الغَرَقْ *** في قِطَعِ الآل وهَبْوَاتِ الدُّقَقْ{[12115]}
وموضع هابي التراب أي كأن ترابه مثل الهباء في الرقة . وقيل : إنه ما ذرته الرياح من يابس أوراق الشجر . قاله قتادة وابن عباس . وقال ابن عباس أيضا : إنه الماء المهراق . وقيل : إنه الرماد . قاله عبيد{[12116]} بن يعلى .
قوله : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( قدمنا ) من القدوم . والقدوم الحقيقي لا يجوز في حق الله . وإنما المراد به هنا إنفاذ أمره وحكمه في أعمال الكافرين التي عملوها حال كفرهم ، من صلة رحم وإغاثة ملهوف وإتحاف ضيف وعون مضطرب وغير ذلك من وجوه المكارم وأفعال الخير ، فإنها جميعا لا تنفعهم عند الله وليس لهم في مقابلتها من أجر ولا مثوبة . وهو قوله : ( فجعلناه هباء منثورا ) الهباء معناه التراب الدقيق وهو مثل الغبار الداخل في الكوّة يتراءى مع ضوء الشمس . والمنثور معناه المفرّق . نثرت الشيء أي فرّقته . وقال ابن عباس : الهباء المنثور : ما تُسفي به الرياح وتبثه .
وحاصل ذلك : التنبيه على المقصود من الآية وهو أن الكافرين والمنافقين والمرائين يعملون الأعمال النافعة في الدنيا وهم يعتقدون أنهم على شيء . لكن أعمالهم في ميزان الله لا تساوي شيئا بالكلية ، فقد شبّهت بذرات التراب أو الرماد المفرّق المبعثر في الهواء ، والذي لا يقدر صاحبه منه على شيء لفرط حقارته وهوانه .
والأصل في ذلك كله : أن قبول الأعمال مرهون بشرطين أساسيين :
أحدهما : الإخلاص لله فيها ؛ وهو أن يبتغي صاحب العمل بعمله مرضاة الله . فإن ابتغى غير ذلك كان رياء فهو بذلك متدرج في دائرة الحبوط والبطلان .
وأما الشرط الثاني : فهو موافقة الشرع ؛ فأيما عمل مخالف للشرع كان مردودا . وذلك للخبر : " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " وأعمال الكافرين لا تخلو من انعدام أحد الشرطين أو كليهما . وأعتى من ذلك وأنكى ، كفرانهم برسالة الإسلام وتكذيبهم نبوة محمد ( ص ) فأنى لهم أن يتقبّل الله لهم عملا ؟ ! .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.