قوله تعالى : " وحرمنا عليه المراضع من قبل " أي منعناه من الارتضاع من قبل ، أي من قبل مجيء أمه وأخته و " المراضع " جمع مرضع ومن قال مراضيع فهو جمع مرضاع ، ومفعال يكون للتكثير ، ولا تدخل الهاء فيه فرقا بين المؤنث والمذكر ؛ لأنه ليس بجار على الفعل ، ولكن من قال مرضاعة جاء بالهاء للمبالغة ، كما يقال مطرابة . قال ابن عباس : لا يؤتى بمرضع فيقبلها وهذا تحريم منع لا تحريم شرع . قال امرؤ القيس :
جالت لتصرَعَنِي فقلتُ لها اقْصِرِي *** إني امرؤٌ صرعِي عليكِ حَرَامُ{[12338]}
أي ممتنع " فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم " الآية . فقالوا لها عند قولها : " وهم له ناصحون " وما يدريك ؟ لعلك تعرفين أهله ؟ فقالت : لا ، ولكنهم يحرصون على مسرة الملك ، ويرغبون في ظئره . وقال السدي وابن جريج : قيل لها لما قالت : " وهم له ناصحون " قد عرفت أهل هذا الصبي فدلينا عليهم ، فقالت : أردت وهم للملك ناصحون ، فدلتهم على أم موسى ، فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها ، والصبي علي يد فرعون يعلله شفقة عليه ، وهو يبكي يطلب الرضاع ، فدفعه إليها ، فلما وجد الصبي ريح أمة قبل ثديها وقال ابن زيد : استرابوها حين قالت ذلك . فقالت : وهم للملك ناصحون . وقيل : إنها لما قالت : " هل أدلكم علي أهل بيت يكلفونه لكم " وكانوا يبالغون في طلب مرضعة يقبل ثديها فقالوا : من هي ؟ فقالت : أمي . فقيل : لها لبن ؟ قالت : نعم ! لبن هارون وكان ولد في سنة لا يقتل فيها الصبيان فقالوا صدقت والله . " وهم له ناصحون " أي فيهم شفقة ونصح ، فروي أنه قيل لأم موسى حين ارتضع منها : كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك ؟ فقالت : إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن ، لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني قال أبو عمران الجوني : وكان فرعون يعطي أم موسي كل يوم دينارا قال الزمخشري : فإن قلت كيف حل لها أن تأخذ الأجر علي إرضاع ولدها ؟ قلت : ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع ، ولكنه مال حربي تأخذه على وجه الاستباحة .
قوله : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ } { الْمَرَاضِعَ } جمع مرضع ، وهي المرأة التي ترضع ، والمعنى : أننا منعناه من الارتضاع من قبل أن تجيء أخته . أو من قبل أن ترده على أمه . وهذا تحريم منع وليس تحريم شرع ، فقد أحدث الله في نفس موسى وفي طبعه نفارا عن لبن سائر النساء ، فلذلك لم يرضع من واحدة منهن ، وكان ذلك كله بتقدير الله وتدبيره وتصريفه للأمور كما يشاء وفقا لحكمته البالغة وإرادته المطلقة ؛ بل إن ما جرى لموسى من أول سيرته حتى آخرها كان مقدورا ومسطورا في علم الله ؛ سواء في ذلك نجاته من فرعون ، وكون فرعون عقيما لا يلد ، وكون زوجته مؤمنة ، لتحب موسى وتحنو عليه ، . ثم نفاره من الرضاع من سائر النساء وإرضاعه بإنفاق ورعاية من فرعون نفسهن ثم قتله القبطي وفراره إلى مدين ، ثم رجوعه إلى مصر لتبليغ رسالة الله للناس كل هذه الأحداث كانت متوافقة مترابطة ومقدوره حتى تتم إرادة الله وينفذ حكمه .
قوله : { فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } أرادت أخت موسى أن تدل آل فرعون على آل بيت يضمنون رضاعه والقيام بما يصلحه تماما { وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } أي لا يخونونه ولا يفرّطون فيه ، بل يبذلون له كامل النصح والرعاية وإخلاص العمل .
فلما قالت أخت موسى ذلك سألوها أن تدلهم عليه ، فذهبت بهم إلى منزل أهلها ومعهم موسى . ولما دخلوا به على أمه فأعطته ثديها التقمه ففرحوا بذلك فرحا كبيرا . فاستدعتها امرأة فرعون ثم سألتها أن تمكث عندها فترضعه ، فاعتذرت لها بأن لها بعلا وأولادا فلا تقدر أن تبرحهم لتقيم عندها بجانب فرعون ، فقبلت منها أن تعود بموسى إلى بيتها لتمكث فيه وتقوم بإرضاعه ورعايته وإصلاح شأنه ، وفي مقابل ذلك أجرت عليها امرأة فرعون النفقة والعطاء وجزيل الإحسان . وبذلك قد أنجز الله وعده له برده إليها وهو قوله : { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.