الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ} (8)

قوله تعالى : " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " لما كان التقاطهم إياه يؤدي إلى كونه لهم عدوا وحزنا ، فاللام في " ليكون " لام العاقبة ولام الصيرورة ؛ لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين ، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا ، فذكر الحال بالمآل ، كما قال الشاعر :

وللمنايا تُرَبِّي كلَّ مُرْضِعَةٍ *** ودُورُنا لخراب الدهر نَبْنِيهَا

وقال آخر :

فللموت تَغْذُو الوالداتُ سِخَالَهَا *** كما لخراب الدهر تُبْنَى المساكنُ

أي فعاقبة البناء الخراب وإن كان في الحال مفروحا به والالتقاط وجود الشيء من غير طلب ولا إرادة ، والعرب تقول لما وجدته من غير طلب ولا إرادة : التقطه التقاطا ولقيت فلانا التقاطا قال الراجز{[12330]} :

ومَنْهَلٍ وردتُه التقَاطَا

ومنه اللقطة ، وقد مضى بيان ذلك من الأحكام في سورة " يوسف " {[12331]} بما فيه كفاية وقرأ الأعمش ويحيى والمفضل وحمزة والكسائي وخلف : " وحزنا " بضم الحاء وسكون الزاي والباقون بفتحهما واختاره أبو عبيد وأبو حاتم قال التفخيم{[12332]} فيه وهما لغتان مثل العدم والعدم ، والسقم والسقم ، والرشد والرشد " إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين " " هامان " وكان وزيره من القبط " خاطئين " أي عاصين مشركين آثمين .


[12330]:هو نقادة الأسدي، كما في اللسان مادة " لقط".
[12331]:راجع ج 9 ص 134 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.
[12332]:التفخيم في اصطلاح القراء: الفتح.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ} (8)

قوله : { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ } اللام في قوله : { ليكون } لام العاقبة ؛ أي : كان عاقبة التقاطهم العداوة والحزن . أو لام الصيرورة ؛ أي : صار لهم عدوا وحزنا{[3478]} .

والتقطه : يعني أخذه . والمراد بالالتقاط : إصابة الشيء من غير طلب{[3479]} .

فقد أصاب آل فرعون موسى وأخذوه من غير طلب له ولا إرادة . والمراد بآل فرعون . جواري امرأته آسية ، فقد وجدن التابوت فأدخلنه إلى آسية فلما فتحته ونظرت فيه إلى وجه موسى أحبته بالغ المحبة لما رأت فيه من جمال السمت وإشراق الطلعة وبهاء الوجه .

لقد قيّض الله تعالى آل فرعون لأخذ موسى ليجعلوه عدوا لهم وحزنا . سنة الله في الظالمين العتاة الذين يظلمون الناس ويسعون في الأرض فسادا ؛ إذ يسفكون الدماء ويزهقون الأرواح البريئة بغير حق . فأولئك يملي لهم الله حتى إذا حانت ساعة العقاب الأليم أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر .

قوله : { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ } كانوا عصاة آثمين ، غلاة في الإجرام والطغيان .


[3478]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 229.
[3479]:أساس البلاغة للزمخشري ص 570، ومختار الصحاح ص 602.