الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} (113)

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ولا تركنوا " الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى ، الشيء والرضا به ، قال قتادة : معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم . ابن جريج : لا تميلوا إليهم . أبو العالية : لا ترضوا أعمالهم ، وكله متقارب . وقال ابن زيد : الركون هنا الإدهان{[8890]} وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم .

الثانية : قرأ الجمهور : " تركنوا " بفتح الكاف ، قال أبو عمرو : هي لغة أهل الحجاز . وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة وغيرهما : " تركنوا " بضم الكاف ؛ قال الفراء : وهي لغة تميم وقيس . وجوز قوم ركن يركن مثل منع يمنع{[8891]} .

الثالثة : قوله تعالى : " إلى الذين ظلموا " قيل : أهل الشرك . وقيل : عامة فيهم وفي العصاة ، على نحو قوله تعالى : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا{[8892]} " [ الأنعام : 68 ] الآية . وقد تقدم . وهذا هو الصحيح في معنى الآية ، وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم ، فإن صحبتهم كفر أو معصية ؛ إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة ، وقد قال حكيم{[8893]} :

عن المرءِ لا تسأَل وسلْ عن قرينه *** فكل قرين بالمقارِن يَقْتَدِي

فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في " آل عمران{[8894]} " و " المائدة{[8895]} " . وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار . والله أعلم .

الرابعة : قوله تعالى : " فتمسكم النار " أي تحرقكم . بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم{[8896]} وموافقتهم في أمورهم .


[8890]:الإدهان: المصانعة.
[8891]:والآية من باب تعب.
[8892]:راجع ج 6 ص 12، وج 5 ص 417، و ص 217.
[8893]:هو طرفة بن العبد.
[8894]:راجع ج 4 ص 57.
[8895]:راجع ج 6 ص 12؛ و ج 5 ص 417، و ص 217.
[8896]:في ي: أغراضهم ومرافقتهم.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} (113)

ولما نهي عن الإفراط {[40246]}في الدين ، أتبعه النهي عن التفريط بالتقصير فيه بسفول الهمم{[40247]} على وجه عام ، وكان الحب في الله والبغض منه أوثق عرى الإيمان ، إشارة إلى ضده الذي هو أوثق عرى الشيطان{[40248]} فقال : { ولا تركنوا } أي شيئاً من ركون ، وقال : { إلى الذين ظلموا } أي وجد منهم الظلم ولم يقل{[40249]} الظالمين ، أي بالميل إليهم بأن تثاقل أنفسكم نحوهم للميل إلى أعمالهم ولو بالرضى به{[40250]} {[40251]}والتشبه{[40252]} بهم والتزيّي بزيهم ، وحاصل الآيتين : لا تظلموا بأنفسكم{[40253]} ولا تستحسنوا أفعال الظالمين ، وفسر الزمخشري الركون بالميل اليسير ، وهو حسن من جهة المعنى لكني لم أره لغيره من أهل اللغة ، وقال الرماني - وهو أقرب : الركون : السكون إلى الشيء بالمحبة والانصباب إليه ، ونقيضه النفور عنه . وهو على التفسير الثاني في { تطغوا } من عطف الخاص على العام ، والآية ملتفتة إلى قوله تعالى { فلعلك تارك بعض ما يُوحى إليك } { فتمسكم النار } أي فتسبب{[40254]} عن ركونكم إليهم مسُّها لكم فلا تقدروا على التخلص منها بنوع حيلة من أنفسكم ؛ و{[40255]} من إجلال النبي صلى الله عليه وسلم إفراده{[40256]} بالخطاب{[40257]} في الأمر بأفعال الخير ، والإتيان بضمير الجمع في النهي عن أفعال الشر - نبه على ذلك الإمام أبو حيان{[40258]} .

ولما كان كل موجود سوى الله في قهره وتحت أمره ، قال تعالى : { وما لكم } ولما كان دون رتبته تعالى من الرتب والذوات ما لا يحصيه غيره سبحانه ، أدخل الجار تبعيضاً فقال : { من دون الله } أي الملك لأعظم ، وأعرق في النفي فقال : { من أولياء } أي يخلصونكم من عذابه لما تقرر أن { دون } من الأدون وهو الأقرب إلى

جهة السفل ؛ والولي : المختص بأن من شأنه تولي المعونة{[40259]} عند الحاجة ، وأشار إلى أن نصر مَنْ{[40260]} لا ناصر له من الله محال بأداة البعد وبناء الفعل للمفعول فقال : { ثم لا تنصرون* } أي ثم إذاً فإنكم هذا وذاك{[40261]} فما أبعدكم من النصرة !


[40246]:سقط ما بين الرقمين من ظ، وفي مد: والتفريط.
[40247]:سقط ما بين الرقمين من ظ، وفي مد: والتفريط.
[40248]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[40249]:سقط من ظ.
[40250]:في مد: منها.
[40251]:في ظ: بالتشبه.
[40252]:في ظ: بالتشبه.
[40253]:من ظ ومد، وفي الأصل: لأنفسكم.
[40254]:في ظ: فتسبب.
[40255]:زيد من مد.
[40256]:من ظ ومد، وفي الأصل: إفراد.
[40257]:زيد من مد.
[40258]:راجع البحر المحيط 5/270.
[40259]:زيد بعده في مد: من.
[40260]:من ظ ومد، وفي الأصل: ما.
[40261]:في ظ: ذلك.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} (113)

قوله : { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } تركنوا ، من الركون وهو الميل والسكون{[2186]} ، والمراد به هنا : الاعتماد والاستناد إلى الشيء عن رضى . أما الذين ظلموا فهم المشركون والظالمون وأئمة الضلال والفسق والعصيان . أولئك جميعا قد نهى الله عباده المؤمنين عن طاعتهم أو الاستناد غليهم أو الاعتماد عليهم أو الميل إلى جانيهم . ونهى أيضا عن مداهنتهم أو مصانعتهم والرضا بكفرهم وضلالهم وظلمهم . فالمعنى : لا تميلوا إلى الكافرين والعصاة ، ولا توادوهم أو تجنحوا إليهم في مذلة وهوان خور .

قوله : { فتمسكم النار } أي تخرقكم النار بسبب الركون إلى الظالمين ؛ فإن الميل إلى الطغاة والمستبدين والمشركين ، والسكون إليهم بما يتمضن التأييد لهم والرضا بأفعالهم وسلوكهم ، ليس إلا ضربا من التملق الخسيس ، والخلق المهين المبتذل الذي يكشف عن حقيقة فريق من الناس قد ركبت طبائعهم ظواهر النفاق والخور حتى خسروا أنفسهم فكانوا في الأذلين . أولئك هم المنافقون الخائرون الذين باءوا بالخسران والبوار وسوء المصير .

أما إن كان الميل للظالمين أو مداهنتهم على سبيل التقية ، وخوفا منهم ، أو لدفع ضرر عام من المسلمين ، أو جلب مصلحة كبيرة لهم ؛ فليس الميل للظالمين حينئذ واقعا في النهي –شريطة ألا يقترن الركون إلى هؤلاء الظالمين بالمحبة ورضى القلب ؛ أي أن مخالطتهم والدخول عليهم لتحقيق مصلحة للمسلمين ؛ أو دفع مفسدة عنهم مع كراهية ما هم عليه من الفساد والظلم وعدم جنوح النفس غليهم ومجبتها لهم وعدم طاعتهم في معصية الله ، فذلك لا يتناوله النهي . والأصل في ذلك أن الأعمال إنما تكون بالنيات ، والله وحده عليهم بالنوايا والخفايا . والله سبحانه وتعالى أعلم .

قوله : { وما لكم من دون الله من أولياء } الجملة في محل نصب على الحال . والمعنى : أنكم تبوءون بالتحريق والعذاب ، ولا تجدون إذ ذاك من أعوانكم وخلانكم من ينتقدكن أو يدفع عنكم ما حاق بكم من الويل والعذاب { ثم لا تنصرون } أي ليس لكم من نصير ولا شفيع ولا معين ، فلا الله بكاف عنكم العذاب حينئذ ، ولا الخلائق كلها قادرة على أن تزحزح عنكم النار{[2187]} .


[2186]:مختار الصحاح 255.
[2187]:فتح القدير جـ 2 ص 530، 531 وتفسير القرطبي جـ 9 ص 107، 108.