الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ} (15)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " من كان " كان زائدة{[8626]} ، ولهذا جزم بالجواب فقال : " نوف إليهم " قاله الفراء . وقال الزجاج : " من كان " في موضع جزم بالشرط ، وجوابه " نوف إليهم " أي من يكن يريد ، والأول في اللفظ ماضي والثاني مستقبل ، كما قال زهير :

ومن هاب أسباب المنية يلقها*** ولو رام أسباب السماء بِسُلَّمِ

واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقيل : نزلت في الكفار ، قاله الضحاك ، واختاره النحاس ، بدليل الآية التي بعدها " أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار " [ هود : 16 ] أي من أتى منهم بصلة رحم أو صدقة نكافئه بها في الدنيا ، بصحة الجسم ، وكثرة الرزق ، لكن لا حسنة له في الآخرة . وقد تقدم هذا المعنى في " براءة " {[8627]} مستوفى . وقيل : المراد بالآية المؤمنون ، أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم ينقص شيئا في الدنيا ، وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا ، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) فالعبد إنما يعطي على وجه قصده ، وبحكم ضميره ، وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل ملة . وقيل : هو لأهل الرياء ، وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء : ( صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك ) ثم قال : ( إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار ) . رواه أبو هريرة ، ثم بكى بكاء شديدا وقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها " وقرأ الآيتين ، خرجه مسلم [ في صحيحه ]{[8628]} بمعناه والترمذي أيضا . وقيل : الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى ، كان معه أصل إيمان أو لم يكن ، قاله مجاهد وميمون بن مهران ، وإليه ذهب معاوية رحمه الله تعالى . وقال ميمون بن مهران : ليس أحد يعمل حسنة إلا وفي ثوابها ، فإن كان مسلما مخلصا وفي في الدنيا والآخرة ، وإن كان كافرا وفي الدنيا . وقيل : من كان يريد [ الدنيا ] بغزوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيها ، أي وفي أجر الغزاة ولم ينقص منها ، وهذا خصوص والصحيح العموم .

الثانية : قال بعض العلماء : معنى هذه الآية قوله عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) وتدلك هذه الآية على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان ، وتدل على أن من توضأ للتبرد والتنظف لا يقع قربة عن جهة الصلاة ، وهكذا كل ما كان في معناه .

الثالثة : ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة ، وكذلك الآية التي في " الشورى " " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها " {[8629]} [ الشورى : 20 ] الآية . وكذلك " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها{[8630]} " [ آل عمران : 145 ] قيدها وفسرها التي في " سبحان " " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد{[8631]} " [ الإسراء : 18 ] إلى قوله : " محظورا " [ الإسراء : 20 ] فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ويريد والله سبحانه يحكم ما يريد ، وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ( في قوله : " من كان يريد الحياة الدنيا " أنها منسوخة بقوله : " من كان يريد العاجلة " ) [ الإسراء : 18 ] . والصحيح ما ذكرناه ، وأنه من باب الإطلاق والتقييد ، ومثله قوله : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان{[8632]} " [ البقرة : 186 ] فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع دائما على كل حال ، وليس كذلك ؛ لقوله تعالى : " فيكشف ما تدعون إليه إن شاء{[8633]} " [ الأنعام : 41 ] والنسخ في الأخبار لا يجوز ؛ لاستحالة تبدل الواجبات العقلية ، ولاستحالة الكذب على الله تعالى ، فأما الأخبار عن الأحكام الشرعية فيجوز نسخها على خلاف فيه ، على ما هو مذكور في الأصول ، ويأتي في " النحل " {[8634]} بيانه إن شاء الله تعالى .


[8626]:قال في البحر: ولعله لا يصح إذ لو كانت زائدة لكان فعل الشرط "يريد" وكان يكون مجزوما.
[8627]:راجع ج 8 ص 161.
[8628]:من ع و و.
[8629]:راجع ج 16 ص 18.
[8630]:راجع ج 4 ص 226 فما بعد.
[8631]:راجع ج 10 ص 235 فما بعد.
[8632]:راجع ج 2 ص 308.
[8633]:راجع ج 6 ص 422.
[8634]:راجع ج 10 ص 127.