قوله تعالى : " واصنع الفلك بأعيننا ووحينا " أي اعمل السفينة لتركبها أنت ومن آمن معك . " بأعيننا " أي بمرأى منا وحيث نراك . وقال الربيع بن أنس : بحفظنا إياك حفظ من يراك . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ( بحراستنا ) ، والمعنى واحد ، فعبر عن الرؤية بالأعين ؛ لأن الرؤية تكون بها . ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير ، كما قال تعالى : " فنعم القادرون{[8675]} " [ المرسلات : 23 ] " فنعم الماهدون " " وإنا لموسعون{[8676]} " [ الذاريات : 47 ] . وقد يرجع معنى الأعين في هذه الآية وغيرها إلى معنى عين ، كما قال : " ولتصنع على عيني{[8677]} " وذلك كله عبارة عن الإدراك والإحاطة ، وهو سبحانه منزه عن الحواس والتشبيه والتكييف ، لا رب غيره . وقيل : المعنى " بأعيننا " أي بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على حفظك ومعونتك ، فيكون الجمع على هذا التكثير على بابه . وقيل : " بأعيننا " أي بعلمنا ، قاله مقاتل : وقال الضحاك وسفيان : " بأعيننا " بأمرنا . وقيل : بوحينا . وقيل : بمعونتنا لك على صنعها . " ووحينا " أي على ما أوحينا إليك ، من صنعتها . " ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون " أي لا تطلب إمهالهم فإني مغرقهم .
وكأنه كان أعلمه أنهم إن{[39228]} لم يجيبوه أغرقهم وأنجاه ومن معه في فلك{[39229]} يحملهم فيه على متن الماء فقال : { واصنع الفلك } حال كونك محفوظاً { بأعيننا } نحفظك أن تزيغ في عملها{[39230]} ، وجمع مبالغة في الحفظ والرعاية على طريق التمثيل { ووحينا } فنحن نلهمك أصلح ما يكون من عملها وأنت تعلم ما لنا من العظمة التي تغلب كل شيء ولا يتعاظمها شيء ، فلا تهتم بكونك لا تعرف صنعتها ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله أوحى إليه أن يصنعه مثل جؤجؤ الطائر - أي صدره . وأشار إلى شفقته على قومه وحبه لنجاتهم كما هو حال هذا النبي الكريم مع أمته فقال : { ولا تخاطبني } أي بنوع مخاطبة وإن قلت { في الذين ظلموا } أي أوجدوا الظلم واستمروا عليه في أن أنجيهم ؛ ثم علل النهي بأن الحكم فيهم قد{[39231]} انبرم فقال : { إنهم مغرقون* } قد {[39232]}انبرم الأمر بذلك{[39233]} ؛ والابتئاس : حزن في استكانة ، لأن أصل البؤس الفقر والمسكنة ؛ والوحي : إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء ، وقد يكون إفهاماً من غير كلام بإشارة ونحوها ، وقد يكون بكلام خفي ؛ والفلك : السفينة ، {[39234]}يؤنث ويذكر{[39235]} ، واحده وجمعه سواء ، وأصله الإدارة{[39236]} من الفلكة .
قوله : { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } أوحي الله إلى نوح أن يصنع الفلك وهي السفينة { بأعيننا } أي بحفظنا وكلاءتنا وبمرأى منا { ووحينا } أي نلهمك كيف تصنع السفينة . قال ابن عباس ( رضي الله عنهما ) ك لم يعلم كيف صنعة الفلك ، فأوحي الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطير .
وبذلك قد بصر الله نوحا بكيفية صنع السفينة لتطفوا على وجه الماء وهي تسير بعون الله ورعايته فينجو من على ظهرها من المؤمنين وغيرهم من بقية الأجناس .
قوله : { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } أي لا تطلب العفو مني عن هؤلاء الظالمين المكذبين ؛ أو لا تطلب إمهالهم ؛ فقد حق عليهم القول من الله بإغراقهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.