قوله تعالى : " ولا ينفعكم نصحي " أي إبلاغي واجتهادي في إيمانكم . " إن أردت أن أنصح لكم " أي لأنكم لا تقبلون نصحا ، وقد تقدم في " براءة " {[8668]} معنى النصح لغة . "
قوله تعالى : " إن كان الله يريد أن يغويكم " أي يضلكم . وهذا مما يدل على بطلان مذهب المعتزلة والقدرية ومن وافقهما ؛ إذ زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يعصي العاصي ، ولا يكفر الكافر ، ولا يغوي الغاوي ، وأن يفعل ذلك ، والله لا يريد ذلك ، فرد الله عليهم بقوله : " إن كان الله يريد أن يغويكم " . وقد مضى هذا المعنى في " الفاتحة " وغيرها{[8669]} . وقد أكذبوا شيخهم اللعين إبليس على ما بيناه في " الأعراف " في إغواء الله تعالى إياه حيث قال : " فبما أغويتني{[8670]} " [ الأعراف : 16 ] ولا محيص لهم عن قول نوح عليه السلام : " إن كان الله يريد أن يغويكم " فأضاف إغواءهم إلى الله سبحانه وتعالى ؛ إذ هو الهادي والمضل ، سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علوا كبيرا . وقيل : " أن يغويكم " يهلككم ؛ لأن الإضلال يفضي إلى الهلاك . الطبري : " يغويكم " يهلككم بعذابه ، حكي عن طيء أصبح فلان غاويا أي مريضا ، وأغويته أهلكته ، ومنه " فسوف يلقون غيا{[8671]} " . [ مريم : 59 ] . " هو ربكم " فإليه الإغواء ، وإليه الهداية . " وإليه ترجعون " تهديد ووعيد .
ولما بين أنهم إنما هم في قبضته سبحانه ، زاد في بيان عظمته وأن إرادته تضمحل معها كل إرادة في سياق دال على أنه بذلك ناصح لهم وأن نصحه خاص بهم ، فقال جواباً لما وهموا{[39205]} من أن جداله لهم كلام بلا طائل : { ولا ينفعكم نصحي } وذكر إرادته لما يريد أن يذكره من إرادة الله فقال : { إن أردت } أي جمعت إلى فعل النصح إرادة{[39206]} { أن أنصح لكم } بإعلام موضع الغي ليتقى والرشد ليتبع ، وجزاءه محذوف تقديره : لا ينفعكم نصحي { إن كان الله } أي الذي له الأمر كله { يريد أن يغويكم } أي يضلكم ويركبكم غير الصواب فإنه إرادته سبحانه تغلب إرادتي وفعلي معاً{[39207]} لا ينفعكم شيء إشارة إلى أنكم لا تقدرون على دفع العذاب بقوة فتكونوا {[39208]}غالبين ، ولا بطاعة فتكونوا{[39209]} محبوبين مقربين إن كان الله يريد إهلاككم بالإغواء ، وان أردت أنا نجاتكم ، ولم يقل{[39210]} : ولا ينفعكم نصحي إن نصحت لكم ، إشارة إلى أني لا أملك إلا إرادتي لنصحكم ، فإذا أردته فغاية ما يترتب عليه من فعلي وقوع النصح وإخلاصه لكم ، وأما{[39211]} النفع به فلا شيء منه إليّ ، بل هو تابع لمراد الله ، فإن أراد غوايتكم حصلت لا محالة ، ولم يقع ما قد يترتب على النصح من عمل المنصوح بمقتضاه المستجلب لنفع المستدفع للضر{[39212]} ؛ ثم رغبهم في إحسانه ورهبهم من انتقامه معللاً لعدم ما لا يريده : { هو ربكم } أي الموجد لكم المدبر لأموركم فهو يتصرف وحده لما يريد .
ولما كان التقدير : فمنه مبدؤكم ، عطف عليه قوله : { وإليه } أي لا إلى غيره { ترجعون* } أي بأيسر أمر وأهونه بالموت ثم البعث فيجازيكم على أعمالكم كما هي عادة الملوك مع عمالهم .
قوله { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } النصح ، معناه الإخلاص والصدق ، والنصيحة : كل قول فيه الدعاء إلى الصلاح والنهي عن الفساد ، نصحه ، أرشده إلى ما فيه صلاحه{[2082]} . والمعنى : إنني إن أردت أن أبين لكم الحق والصواب وأدعوكم إلى ما فيه نجاتكم وفلاحكم ؛ فلا ينفعكم ما أبذله لكم من ترشيد إلى الحق والهداية ونهي عن الباطل والضلالة { إن كان الله يريد أن يغويكم } { يغويكم } : من الإغواء وهو الإضلال ، أغواه : أضله وأغراه ، غوى غيا وغواية ؛ أي أمعن في الضلال . وغاو ؛ أي ضال{[2083]} . قال الزمخشري في تأويل قوله : { إن كان الله يريد أن يغويكم } : إذا عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه ؛ سمي ذلك إغواء وإضلالا ، كما أنه إذا عرف منه أنه يتوب ويرعوي فلطف به ؛ سمي إرشادا وهداية .
وفي قوله : { أن يغويكم } قال الزمخشري : معناه أنكم إذا كنتم من التصميم على الكفر بالمنزلة التيس لا تنفعكم نصائح الله وموعظة وسائر ألطافه ؛ كيف ينفعكم نصحي ؟ وفي هذا القول من تكلف المعتزلة في تأويل مثل هذه الآية ما لا يخفى . والصواب في هذا الصدد أن نقول : إن الله هو الهادي وهو المضل . ويقوي هذا التأويل بعد ذلك : { هو ربكم وإليه ترجعون } فالله مالك كل شيء ، ومالك الناس جميعا ؛ فإليه الهداية ، والناس صائرون أخيرا إليه{[2084]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.