قوله تعالى : " وربطنا على قلوبهم " عبارة عن شدة عزم وقوة صبر ، أعطاها الله لهم حتى قالوا بين يدي الكفار : " ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا " . ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب الانحلال حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط ، ومنه يقال : فلان رابط الجأش ، إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها . ومنه الربط على قلب أم موسى . وقوله تعالى : " وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام " [ الأنفال : 11 ] وقد تقدم{[10451]} .
قوله تعالى : " إذ قاموا فقالوا " فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى :{ إذ قاموا فقالوا } يحتمل ثلاثة معان : أحدها : أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر - كما تقدم ، وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه ، ورفضوا في ذات الله هيبته . والمعنى الثاني فيما قيل : إنهم أولاد عظماء تلك المدينة ، فخرجوا واجتمعوا وراء تلك المدينة من غير ميعاد ؛ فقال أسنهم : إني أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض ، فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا . فقاموا جميعا فقالوا : " ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا " . أي لئن دعونا إلها غيره فقد قلنا إذا جورا ومحالا . والمعنى الثالث : أن يعبر بالقيام ، عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس ، كما تقول : قام فلان إلى أمر كذا إذا عزم عليه بغاية الجد .
الثانية : قال ابن عطية : تعلقت الصوفية في القيام والقول بقول " إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض " .
قلت : وهذا تعلق غير صحيح هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته ، وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته ، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم ، وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء . أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان ، هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء . ثم هذا حرام عند جماعة العلماء ، على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله تعالى{[10452]} . وقد تقدم في " سبحان " عند قوله : " ولا تمش في الأرض مرحا " {[10453]} [ الإسراء : 37 ] ما فيه كفاية . وقال الإمام أبو بكر الطَّرطوشي وسئل عن مذهب الصوفية فقال : وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري ؛ لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون ، فهو دين الكفار وعباد العجل ، على ما يأتي .
{ وربطنا } {[45658]}بما لنا من العظمة{[45659]} { على قلوبهم } {[45660]}أي قويناها{[45661]} ، فصار ما فيها من القوى مجتمعاً غير مبدد ، فكانت حالهم في الجلوة كحالهم في الخلوة { إذ قاموا } {[45662]}لله تعالى حق القيام{[45663]} في ذلك الجيل{[45664]} الكافرين بين يدي طاغيتهم دقيانوس { فقالوا } مخالفين لهم : { ربنا } الذي يستحق أن نفرده بالعبادة لتفرده بتدبيرنا ، هو { رب السماوات والأرض } أي {[45665]}موجدهما و{[45666]}مدبرهما { لن ندعوا من دونه إلهاً * } بعد أن ثبت عجز كل من سواه ، والله { لقد قلنا إذاً } أي{[45667]} إذا دعونا من دونه غيره { شططاً } أي قولاً ذا بعد مفرط{[45668]} عن الحق جداً{[45669]} ؛
قوله : ( وربطنا على قلوبهم ) أي ثبتناهم وقويناهم بالصبر على مخالفة قومهم المشركين ومفارقة ما كانوا فيه من النعمة والسعة والعيش الرغيد فرارا بدينهم وخشية الفتنة .
قوله : ( إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها ) ذكر بعض المفسرين أن هؤلاء الفتية كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم ، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه ، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها ، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له دقيانوس وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه . فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم ، والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض . فجعل كل منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية . حتى اجتمعوا كلهم على قدر تحت ظل شجرة . وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان . وقد جاء في حديث البخاري عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : قال رسول الله ( ص ) : " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " {[2777]} . ولما عرف بهم قومهم وشوا بأمرهم إلى الملك فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق ، وأمرهم باتباع دينه وتوعدهم على رفض ذلك بالقتل فقالوا له في عزم وثبات ما قاله الله : ( ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ) ( شططا ) ، منصوب على أنه صفقة لمصدر محذوف ، وتقديره : قولا شططا . وقيل : منصوب بالفعل ( قلنا ) {[2778]} والشطط ، في اللغة ، مجاوزة القدر في كل شيء{[2779]} وهو الجور والظلم . والشطوط ، معناه البعد . واشتط ؛ أي أبعد . والمراد به هنا : الإفراط في الظلم والافتراء ، والإبعاد في الجور والكذب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.