الأولى : قوله تعالى : " وهم كفار " الواو واو الحال . قال ابن العربي : قال لي كثير من أشياخي إن الكافر المعين لا يجوز لعنه ؛ لأن حاله عند الموافاة لا تعلم ، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة : الموافاة على الكفر ، وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن أقواما بأعيانهم من الكفار فإنما كان ذلك لعلمه بمآلهم . قال ابن العربي : والصحيح عندي جواز لعنه لظاهر حاله ولجواز قتله وقتاله ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني ) . فلعنه ، وإن كان الإيمان والدين والإسلام مآله . وانتصف بقوله : ( عدد ما هجاني ) ولم يزد ليعلم العدل والإنصاف . وأضاف الهجو إلى الله تعالى في باب الجزاء دون الابتداء بالوصف بذلك ، كما يضاف إليه المكر والاستهزاء والخديعة ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
قلت : أما لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك ، لما رواه مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول : ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان . قال علماؤنا : وسواء كانت لهم ذمة أم لم تكن ، وليس ذلك بواجب ، ولكنه مباح لمن فعله ، لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله ، وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كشراب الخمر وأكلة الربا ، ومن تشبه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء ، إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه .
الثانية : ليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر ، بل هو جزاء على الكفر وإظهار قبح كفره ، كان الكافر ميتا أو مجنونا . وقال قوم من السلف : إنه لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم ، لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر ، فإنه لا يتأثر به . والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرر ويتألم قلبه ، فيكون ذلك جزاء على كفره ، كما قال تعالى : " ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا{[1350]} " [ العنكبوت : 25 ] ، ويدل على هذا القول أن الآية دالة على الإخبار عن الله تعالى بلعنهم ، لا على الأمر . وذكر ابن العربي أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقا ، لما روي عن النبي أنه أتي بشارب خمر مرارا ، فقال بعض من حضره : لعنه الله ، ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم ) فجعل له حرمة الأخوة ، وهذا يوجب الشفقة ، وهذا حديث صحيح .
قلت : خرجه البخاري ومسلم ، وقد ذكر بعض العلماء خلافا في لعن العاصي المعين ، قال : وإنما قال عليه السلام : ( لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم ) في حق نعيمان{[1351]} بعد إقامة الحد عليه ، ومن أقيم عليه حد الله تعالى فلا ينبغي لعنه ، ومن لم يقم عليه الحد فلعنته جائزة سواء سمي أو عين أم لا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن ، فإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا لعنة تتوجه عليه . وبين هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب{[1352]} ) . فدل هذا الحديث مع صحته على أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد وقبل التوبة ، والله تعالى أعلم . قال ابن العربي : وأما لعن العاصي مطلقا فيجوز إجماعا ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ) .
الثالثة : قوله تعالى : " أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " أي إبعادهم من رحمته وأصل اللعن : الطرد والإبعاد ، وقد تقدم{[1353]} . فاللعنة من العباد الطرد ، ومن الله العذاب . وقرأ الحسن البصري " والملائكة والناس أجمعون " بالرفع . وتأويلها : أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله ويلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون ، كما تقول : كرهت قيام زيد وعمرو وخالد ؛ لأن المعنى : كرهت أن قام زيد . وقراءة الحسن هذه مخالفة للمصاحف .
فإن قيل : ليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم ، قيل عن هذا ثلاثة أجوبة ، أحدها : أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة الناس تغليبا لحكم الأكثر على الأقل . الثاني : قال السدي : كل أحد يلعن الظالم ، وإذا لعن الكافر الظالم فقد لعن نفسه . الثالث : قال أبو العالية : المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس ، كما قال تعالى : " ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض{[1354]} ويلعن بعضكم بعضا " [ العنكبوت : 25 ]
ولما لعن الكاتمين واستثنى منهم التائبين ذكر المصرّين معبراً عن كتمانهم بالكفر لتعم العبارة{[6022]} كل{[6023]} كفر فقال{[6024]} : { إن الذين كفروا } أي بهذا الكتمان وغيره { وماتوا وهم كفار } قال الحرالي : ففي إشعاره يسر{[6025]} توبة الكافرين وعسر توبة المنافقين من حيث صرح بذكر توبة الكاتم وتجاوز{[6026]} في الذكر توبة الكافر ، فكان الذين كفروا يتوبون{[6027]} إلا الأقل والذين يكتمون يتمادون إلا الأقل ، فلذلك وقع{[6028]} الاستثناء في الكاتم والتخصيص من الكافر - انتهى .
{[6029]}ولما كان الموت على شيء دالاً على أصل الجبلة{[6030]} فالميت كافراً مجبول جبلة شر بيّن سبحانه وتعالى أنه مستحق في نفس الأمر لكل خزي{[6031]} لذلك {[6032]}لا لسبب{[6033]} جدده{[6034]} ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ، لأنه سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل ، فأسقط فاء السبب و{[6035]}عبر عنهم بأداة البعد{[6036]} إشارة إلى طردهم فقال : { أولئك }{[6037]} {[6038]}الذين هم في غاية السفول{[6039]} { عليهم لعنة الله } أي طرد{[6040]} {[6041]}الملك الذي لا ملك سواه{[6042]} وإبعاده ، ثم بين اللاعنين{[6043]} في التي قبلها فقال { والملائكة والناس أجمعين * } أي{[6044]} هم أهل لذلك {[6045]}وكل أحد يلعن الظالم وأظلم الظالمين الكافر{[6046]}
وقوله : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) هذه هي الخسارة الكبرى والإياس المطلق أنه يموت الإنسان كافرا . ولا يموت أحد كافرا إلا رافقته اللعنة دون انقطاع . فهو ملعون دائما وسوف تظل اللعنة تصاحبه على الدوام ؛ إذ يلعنه الله وتلعنه الملائكة ، ثم يلعنه الناس جميعا . وذلك في يوم القيامة ؛ إذ يقذف الله به في النار ليبوء بالعذاب الأليم .