قوله تعالى : " الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن " تقدم في الأعراف{[12157]} . و " الذي " في موضع خفض نعتا للحي . وقال : " بينهما " ولم يقل بينهن ؛ لأنه أراد الصنفين والنوعين والشيئين ؛ كقول القطامي :
ألم يحزنك أن حبالَ قيسٍ *** وتغلب قد تباينتا انقطاعا
أراد وحبال تغلب فثنى ، والحبال جمع ؛ لأنه أراد الشيئين والنوعين . " الرحمن فاسأل به خبيرا " قال الزجاج : المعنى فاسأل عنه . وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة أن الباء تكون بمعنى عن ؛ كما قال تعالى : " سأل سائل بعذاب واقع " [ المعارج : 1 ] وقال الشاعر :
هلا سألت الخيل يا بنَةَ مالك *** إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي{[12158]}
وقال علقمة بن عبدة{[12159]} :
فإن تسألوني بالنساء فإنني *** خبير بأدواء النساء طبيبُ
أي عن النساء وعما لم تعلمي . وأنكره علي بن سليمان وقال : أهل النظر ينكرون أن تكون الباء بمعنى عن ؛ لأن في هذا إفسادا لمعاني قول العرب : لو لقيت فلانا للقيك به الأسد ، أي للقيك بلقائك إياه الأسد . المعنى فاسأل بسؤالك إياه خبيرا . وكذلك قال ابن جبير : الخبير هو الله تعالى . ف " خبيرا " نصب على المفعول به بالسؤال .
قلت : قول الزجاج يخرج على وجه حسن ، وهو أن يكون الخبير غير الله ، أي فاسأل عنه خبيرا ، أي عالما به ، أي بصفاته وأسمائه . وقيل : المعنى فاسأل له خبيرا ، فهو نصب على الحال من الهاء المضمرة . قال المهدوي : ولا يحسن حالا إذ لا يخلو أن تكون الحال من السائل أو المسؤول ، ولا يصح كونها حالا من الفاعل ؛ لأن الخبير لا يحتاج أن يسأل غيره . ولا يكون من المفعول ؛ لأن المسؤول عنه وهو الرحمن خبير أبدا ، والحال في أغلب الأمر يتغير وينتقل ، إلا أن يحمل على أنها حال مؤكدة ؛ مثل : " وهو الحق مصدقا " [ البقرة : 91 ] فيجوز . وأما " الرحمن " ففي رفعه ثلاثة أوجه : يكون بدلا من المضمر الذي في " استوى " . ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هو الرحمن . ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره " فاسأل به خبيرا " . ويجوز الخفض بمعنى وتوكل على الحي الذي لا يموت الرحمن ، يكون نعتا . ويجوز النصب على المدح .
ثم وصفه بما يقتضي أنه مع ما له من عظيم القدرة بالملك والاختراع - متصف بالأناة وشمول العلم وحسن التدبير ليتأسى به المتوكل عليه فقال : { الذي خلق السماوات والأرض } أي على عظمهما { وما بينهما } من الفضاء والعناصر والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها ألا يعلم من خلق }[ الملك : 14 ] وقوله : { في ستة أيام } تعجيب للغبي الجاهل ، تدريب للفطن العالم في الحلم والأناة والصبر على عباد الله في دعوتهم إلى الله ، وتذكير بما له من عظيم القدرة وما يلزمها من شمول العلم ، والمراد مقدار ستة من أيامنا ، فإن الأيام ما حدثت إلا بعد خلق الشمس ، والإقرار بأن تخصيص هذا العدد لداعي حكمة عظيمة ، وكذا جميع أفعاله وإن كنا لا ندرك ذلك ، هو الإيمان ، وجعل الله الجمعة عيداً للمسلمين لأن الخلق اجتمع فيه بخلق آدم عليه السلام فيه في آخر ساعة .
ولما كان تدبير هذا الملك أمراً باهراً ، أشار إليه بأداة التراخي فقال : { ثم استوى على العرش } أي شرع في تدبير لهذا الملك الذي اخترعه وأوجده ، وهم وذنوبهم من جملته كما يفعل الملوك في ممالكهم ، لا غفلة عنده عن شيء أصلاً ، ولا تحدث فيه ذرة من ذات أو معنى إلا بخلق جديد منه سبحانه ، رداً على من يقول من اليهود وغيرهم : إن ذلك إنما هو بما دبر في الأزل من الأسباب ، وأنه الآن لا فعل له .
ولما كان المعصى إذا علم بعصيان من يعصيه وهو قادر عليه لم يمهله ، أشار إلى أنه على غير ذلك ، حاضاً على الرفق ، بقوله : { الرحمن } أي الذي سبقت رحمته غضبه ، وهو يحسن إلى من يكفره ، فضلاً عن غيره ، فأجدر عباده بالتخلق بهذا الخلق رسله ، و الحاصل أنه أبدع هذا الكون وأخذ في تدبيره بعموم الرحمة في إحسانه لمن يسمعه يسبّه بالنسبة له إلى الولد ، ويكذبه في أنه يعيده كما بدأه ، وهو سبحانه قادر على الانتقام منه بخلاف ملوك الدنيا فإنهم لا يرحمون من يعصيهم مع عجزهم .
ولما كان العلم لازماً للملك ، سبب عن ذلك قوله على طريق التجريد : { فاسأل به } أي بسبب سؤالك إياه { خبيراً } عن هذه الأمور وكل أمر تريده ليخبرك بحقيقة أمره ابتداء وحالاً ومآلاً ، فلا يضيق صدرك بسبب هؤلاء المدعوين ، فإنه ما أرسلك إليهم إلا وهو عالم بهم ، فسيعلي كعبك عليهم ، ويحسن لك العاقبة .
قوله : ( الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في سنة أيام ) ( الذي ) ، في محل جر صفة للحي . وقال عن السماوات والأرض ( بينهما ) ولم يقل بينهن ؛ لأنه أراد الصنفين والشيئين ، وذلك ذكر لصفة الله العظمى في الخلق ؛ فهو سبحانه خالق السماوات والأرض وهما خلقان هائلان في امتدادهما ، وسعتهما ، وبينهما من الخلائق الكاثرة والمختلفة من نجوم وكواكب وبحار وأطيار وجبال وأحياء ومختلف الأجرام ، ما لا يعلم حقيقته وكثرته ومداه وتعدد أصنافه وأنواعه وألوانه إلا الله . لقد خلق الله ذلك كله في ستة أيام . وهو سبحانه أعلم بحقيقة هذه الأيام ، إن كانت من أيامنا في دنيانا هذه المعهودة ، أم هي أيام محسوبة بحساب الله وميزانه الذي يعلمه هو .
قوله : ( ثم استوى على العرش ) أي خلقه ورفعه . وبينا القول في معنى العرش فيما سبق من الآيات .
قوله : ( الرحمان فاسأل به خبيرا ) ( الرحمان ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ؛ أي هو الرحمان . وقيل : مبتدأ ، وخبره ( فاسأل به ) وقيل : بدل من المضمر في قوله : ( استوى ) {[3341]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.