الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ} (198)

التاسعة عشرة : قوله تعالى : " لكن الذين اتقوا ربهم " استدراك بعد كلام تقدم فيه معنى النفي ؛ لأن معنى ما تقدم ليس لهم في تقلبهم في البلاد كبير{[3836]} الانتفاع ، لكن المتقون لهم الانتفاع الكبير{[3837]} والخلد الدائم . فموضع " لكن " رفع بالابتداء . وقرأ يزيد بن القعقاع " لكن " بتشديد النون .

الموفية عشرين : قوله تعالى : " نزلا من عند الله " نزلا مثل ثوابا عند البصريين ، وعند الكسائي يكون مصدرا . الفراء : هو مفسر . وقرأ الحسن والنخعي " نزلا " بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين ، وثقله الباقون . والنزل ما يهيأ للنزيل ، والنزيل الضيف . قال الشاعر :

نزيل القوم أعظمُهم حقوقا *** وحقُّ اللهِ في حَقِّ النزيل

والجمع الأنزال . وحظ نزيل : مجتمع . والنزل{[3838]} : أيضا الريع ، يقال : طعام النزل والنزل .

الحادية والعشرون : قلت : ولعل النزل - والله أعلم - ما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان مولى وسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة{[3839]} الحبر الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هم في الظلمة دون الجسر ) قال : فمن أول الناس إجازة ؟ قال : ( فقراء المهاجرين ) قال اليهودي : فما تحفتهم حين يدخلون الجنة ؟ قال ( زيادة كبد النون ) قال : فما غذاؤهم على إثرها ؟ فقال : ( ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها ) قال : فما شرابهم عليه ؟ قال : ( من عين فيها تسمى سلسبيلا ) وذكر الحديث . قال أهل اللغة : والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه . والطرف محاسنه وملاطفه ، وهذا مطابق لما ذكرناه في النزل ، والله أعلم . وزيادة الكبد : قطعة منه كالأصبع . قال الهروي : " نزلا من عند الله " أي ثوابا . وقيل رزقا . " وما عند الله خير للأبرار " أي مما يتقلب به الكفار في الدنيا . والله أعلم .


[3836]:- في جـ و ا: كثير.
[3837]:- في جـ و ا: كثير.
[3838]:- النزل: بضم فسكون وبالتحريك.
[3839]:- من ج وهـ و ي ود. وفي ب و ا: من حديث.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ} (198)

ولما بين بآية المهاجرين أن النافع من الإيمان هو الموجب للثبات عند الامتحان . وكانت تلك الشروط قد لا توجد ، ذكر وصف التقوى العام للأفراد الموجب للإسعاد ، فعقب تهديد الكافرين بما لأضدادهم المتقين الفائزين بما تقدم الدعاء إليه بقوله تعالى :{ قل أأنبئكم بخير من ذلكم }[ آل عمران : 15 ] فقال تعالى : { لكن الذين اتقوا ربهم } أي أوقعوا الاتصاف بالتقوى بالائتمار بما أمرهم به{[20217]} المحسن إليهم و{[20218]}الانتهاء عما نهاهم شكراً لإحسانه{[20219]} وخوفاً من عظم شأنه { لهم جنات } وإلى{[20220]} جنات ، ثم وصفها بقوله : { تجري من تحتها الأنهار } تعريفاً بدوام تنوعها{[20221]} وزهرتها وعظيم بهجتها .

ولما وصفها بضد ما عليه النار وصف تقلبهم فيها بضد ما عليه الكفار من كونهم في ضيافة الكريم الغفار فقال : { خالدين فيها } ولما كان النزل ما يعد للضيف عند نزوله قال معظماً ما لمن يرضيه : { نزلا } ولما كان الشيء يشرف بشرف{[20222]} من هو من عنده نبه على عظمته بقوله : { من عند الله } مضيفاً إلى الاسم الأعظم ، وأشار بجعل الجنات كلها نزلاً إلى التعريف بعظيم ما لهم بعد ذلك عنده سبحانه من النعيم الذي لا يمكن الآدميين وجه{[20223]} الاطلاع على حقيقة وصفه ، ولهذا قال معظماً - لأنه لو أضمر لظن الاختصاص بالنزل - { وما عند الله } أي الملك الأعظم من النزل وغيره { خير للأبرار * } مما فيه الكفار ومن كل ما يمكن أن يخطر بالبال من النعيم .


[20217]:سقط من ظ.
[20218]:سقط من ظ.
[20219]:من ظ ومد، وفي الأصل: لاحسانهم.
[20220]:من ظ ومد، أي النعمة، وفي الأصل: أي.
[20221]:من ظ، وفي الأصل: نوعها، وفي مد: ينوعها ـ كذا.
[20222]:سقط من ظ.
[20223]:زيد من مد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ} (198)

قوله : ( ولكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) ( لكن ) أداة استدراك بعد نفي{[674]} أي أن المتقين خلاف المشركين الذين ظلموا أنفسهم بتقلبهم في البلاد ، فالمتقون مطيعون لله مستمسكون بدينه وشرعه ، فهم بذلك يستحقون الجنة لتكون لهم النعيم الدائم والجزاء العظيم المقيم .

قوله : ( خالدين فيها نزلا من عند الله ) ( خالدين ) ، منصوب على الحال . و ( نزلا ) منصوب على المصدر المؤكد ، والتقدير : انزلوها نزلا . وقيل : منصوب على الحال من جنات . {[675]}

ويراد بالنزل ، ما يهيأ للنزيل من طعام وشراب وإتحاف . والنزيل أو النازل بمعنى الضيف . خير للأبرار- وهم المؤمنون الأتقياء- مما يجمعه الفجار ويتقلبون فيه من المتاع الدنيوي القليل الزائل .


[674]:- فتح القدير للشوكاني جـ 1 ص 414.
[675]:- تفسير البيضاوي ص 101 والبيان للأنباري جـ 1 ص 238.