الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا} (58)

قوله تعالى : " وربك الغفور ذو الرحمة " أي للذنوب . وهذا يختص به أهل الإيمان دون الكفرة بدليل قوله : " إن الله لا يغفر أن يشرك{[10592]} " النساء : 48 ] . " ذو الرحمة " فيه أربع تأويلات : أحدها : ذو العفو . الثاني : ذو الثواب ، وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان دون الكفر . الثالث : ذو النعمة . الرابع : ذو الهدى ، وهو على هذين الوجهين يعم أهل الأيمان والكفر ؛ لأنه ينعم في الدنيا على الكافر ، كإنعامه على المؤمن . وقد أوضح هداه للكافر كما أوضحه للمؤمن وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر . " لو يؤاخذهم بما كسبوا " أي من الكفر والمعاصي . " لعجل لهم العذاب " ولكنه يمهل . " بل لهم موعد " أي أجل مقدر يؤخرون إليه ، نظيره " لكل نبأ مستقر{[10593]} " [ الأنعام : 67 ] ، " لكل أجل كتاب{[10594]} " [ الرعد : 38 ] أي إذا حل لم يتأخر عنهم إما في الدنيا وإما في الآخرة . " لن يجدوا من دونه موئلا " ( أي ملجأ ) قاله ابن عباس وابن زيد ، وحكاه الجوهري في الصحاح . وقد وأل يئل وألا ووؤولا على فعول أي لجأ ؛ وواءل منه على فاعل أي طلب النجاة . وقال مجاهد : محرزا . قتادة : وليا . وأبو عبيدة : منجى . وقيل : محيصا ، والمعنى واحد والعرب تقول : لا وألت نفسه أي لا نجت ، منه قول الشاعر :

لا وَأَلَتْ نفسُك خَلَّيْتَهَا*** للعامريين ولم تُكْلَمِ

وقال الأعشى :

وقد أخالِسُ ربَّ البيت غَفْلَتَه*** وقد يحاذر مِنِّي ثم ما يَئِلُ

أي ما ينجو .


[10592]:راجع جـ 5 ص 245.
[10593]:راجع جـ ص 101.
[10594]:راجع جـ 9 ص 328.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا} (58)

ولما كان هذا مقتضياً لأخذهم ، عطف على ما اقتضاه السياق مما ذكرته من العلة قولَه تعالى : { وربك } مشيراً بهذا الاسم إلى ما اقتضاه الوصف من الإحسان بأخذ من يأخذ منهم وإمهال غيره لحكم دبرها ؛ ثم أخبر عنه بما ناسب ذلك من أوصافه فقال : { الغفور } أي هو وحده الذي يستر الذنوب إما بمحوها وإما بالحلم{[46763]} عنها إلى وقت { ذو الرحمة } أي{[46764]} الذي{[46765]} يعامل - وهو قادر - مع موجبات الغضب معاملة الراحم بالإكرام{[46766]} ؛ ثم استشهد على ذلك بقوله تعالى : { لو يؤاخذهم } أي هؤلاء الذين{[46767]} عادوك وآذوك ، وهو عالم بأنهم لا يؤمنون لو يعاملهم معاملة المؤاخذ { بما كسبوا } حين كسبهم { لعجل لهم العذاب } واحداً بعد واحد ، ولكنه لا يعجل لهم ذلك { بل لهم موعد } يحله{[46768]} بهم فيه ، {[46769]}ودل على أن موعده ليس كموعد غيره من العاجزين بقوله دالاً على كمال قدرته : { لن يجدوا من دونه } أي{[46770]} الموعد { موئلاً * } أي ملجأ ينجيهم منه ، فإذا جاء{[46771]} موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم وآخره .


[46763]:من مد وفي الأصل: بالحكم.
[46764]:سقط من ظ ومد.
[46765]:زيد من ظ.
[46766]:سقط من ظ.
[46767]:من ظ ومد وفي الأصل: الذي.
[46768]:من ظ ومد وفي الأصل: محله – كذا.
[46769]:العبارة من هنا إلى قوله "كمال قدرته" ساقطة من ظ.
[46770]:زيد من ظ ومد.
[46771]:زيد من ظ ومد.