الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ} (84)

فيه مسائل :

الأولى : قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم } تقدم القول فيه{[944]} . { لا تسفكون دماءكم }المراد بنو إسرائيل ، ودخل فيه بالمعنى من بعدهم . { لا تسفكون دماءكم } مثل { لا تعبدون{[945]} } [ البقرة : 83 ] في الإعراب . وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء ، وهي لغة ، وأبو نهيك " تسفكون " بضم التاء وتشديد الفاء وفتح السين . والسفك : الصب .

الثانية : فإن قيل : وهل يسفك أحد دمه ويخرج نفسه من داره ؟ قيل له : لما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضا وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا لها . وقيل : المراد القصاص ، أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا ، فكأنه سفك دمه . وكذلك لا يزني ولا يرتد ، فإن ذلك يبيح الدم . ولا يفسد فينفى ، فيكون قد أخرج نفسه من دياره . وهذا تأويل فيه بعد وإن كان صحيح المعنى .

وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا ألا يقتل بعضهم بعضا ، ولا ينفيه ولا يسترقه ، ولا يدعه يسرق ، إلى غير ذلك من الطاعات .

قلت : وهذا كله محرم علينا ، وقد وقع ذلك كله بالفتن فينا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! وفي التنزيل : { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض{[946]} } [ الأنعام : 65 ] وسيأتي . قال ابن خويز منداد : وقد يجوز أن يراد به الظاهر ، لا يقتل الإنسان نفسه ، ولا يخرج من داره سفها ، كما تقتل الهند أنفسها . أو يقتل الإنسان نفسه من جهد وبلاء يصيبه ، أو يهيم في الصحراء ولا يأوي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه ، فهو عموم في جميع ذلك . وقد روي أن عثمان بن مظعون بايع في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزموا أن يلبسوا المسوح ، وأن يهيموا في الصحراء ولا يأووا البيوت ، ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إلى دار عثمان بن مظعون فلم يجده ، فقال لامرأته : " ما حديث بلغني عن عثمان " ؟ وكرهت أن تفشي سر زوجها ، وأن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، إن كان قد بلغك شيء فهو كما بلغك ، فقال : " قولي لعثمان أخلاف لسنتي أم على غير ملتي ، إني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأغشى النساء وآوي البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني " ، فرجع عثمان وأصحابه عما كانوا عليه .

قوله تعالى : وقد تقدم{[947]} { ولا تخرجون } معطوف . قوله تعالى : { أنفسكم } النفس مأخوذة من النفاسة ، فنفس الإنسان أشرف ما فيه . قوله تعالى : { من دياركم } والدار : المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الارتحال . وقال الخليل : كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم تكن فيه أبنية . وقيل : سميت دارا لدورها على سكانها ، كما سمي الحائط حائطا لإحاطته على ما يحويه .

قوله تعالى : { ثم أقررتم } من الإقرار ، أي بهذا الميثاق الذي أخذ عليكم وعلى أوائلكم . قوله تعالى : { وأنتم تشهدون } من الشهادة ، أي شهداء بقلوبكم على هذا وقيل : الشهادة بمعنى الحضور ، أي تحضرون سفك دمائكم ، وإخراج أنفسكم من دياركم .


[944]:راجع ج 1 ص436
[945]:راجع ص 13 من هذا الجزء
[946]:راجع ج 7 ص 9.
[947]:راجع ج 1 ص 275 طبعة ثانية.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ} (84)

ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم فيه من العهد ، وقرن به الإخراج من الديار لأن المال عديل الروح والمنزل أعظم المال وهو للجسد كالجسد للروح فقال : { وإذ أخذنا ميثاقكم } يا بني إسرائيل { لا تسفكون دماءكم }{[3380]} أي لا يسفك بعضكم{[3381]} دماء بعض { ولا تخرجون أنفسكم } بإخراج بعضكم لبعض{[3382]} لأن المتواصلين بنسب أو دين كالنفس الواحدة{[3383]} { من دياركم } ، قال الحرالي : وأصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة استحفاظاً لما تحويه من أموالها - انتهى .

ولما كانوا قد نكصوا عند حقوقِ الأمر فلم يقبلوا ما أتاهم من الخير{[3384]} حتى خافوا الدمار بسقوط الطور عليهم أشار إلى ذلك بقوله : { ثم أقررتم } أي بذلك كله{[3385]} بعد ليّ{[3386]} وتوقف ، والإقرار إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله الحرالي : { وأنتم تشهدون } {[3387]}بلزومه وتعاينون تلك الآيات الكبار الملجئة لكم إلى ذلك ، وقد مضى مما يصدق هذا عن التوراة آنفاً ما فيه كفاية{[3388]} للموفق ، وسيأتي في المائدة بقيته{[3389]} ، إن شاء الله تعالى .


[3380]:قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط 1/ 288: ظاهر قوله "لا تسفكون دماءكم" أي لا تفعلون ذلك بأنفسكم لشدة تصيبكم وحنق يلحقكم، وقيل معناه لا تسفكوا دماء الناس، فإن من سفك دماءهم سفكوا دمه، وقال: سقياهم كأسا سقونا بمثله ولكنهم كانوا على الموت أصبرا وقيل معناه لا تقتلوا أنفسكم بارتكابكم ما يوجب ذلك كارتداد والزنا بعد الإحصان والمحاربة وقتل النفس بغير حق ونحو ذلك مما يزل عصمة الدماء.
[3381]:وفي ظ: دماءكم
[3382]:ليست في ظ
[3383]:ليست في ظ
[3384]:في م: الخبر
[3385]:في ظ: بعدل -كذا
[3386]:وفي البحر المحيط: أي تعلمون أن الله أخذ عليكم وأراد على قدماء بني إسرائيل إن كان الخطاب واردا عليهم، وإن كان معاصريه صلى الله عليه وسلم من أبنائهم فمعناه وأنتم تشهدون على أسلافكم بما أخذه الله عليهم من المعاهد إما بالنقل المتواتر وإما بما تتلونه من التوراة، وإن كان معنى الشهادة الحضور فيتعين أن يكون الخطاب لأسلافهم. وقال بعض المفسرين: "ثم أقررتم" عائد إلى الخلف، "وأنتم تشهدون" عائد إلى السلف، لأنهم عاينوا سفك دماء بعضهم عضا، وقال "أنتم تشهدون" لأن الأوائل والأصاغر صاروا كالشيء الواحد، فلذاك أطلق عليهم خطاب الحضرة.
[3387]:في ظ: كناية
[3388]:في ظ: كناية
[3389]:ليس في م