قوله تعالى : { ثم أنتم هؤلاء } ، { أنتم } في موضع رفع بالابتداء ، ولا يعرب ، لأنه مضمر . وضمت التاء من " أنتم " لأنها كانت مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا ، ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنثة ، فلما ثنيت أو جمعت لم يبق إلا الضمة . قوله تعالى : " هؤلاء " قال القتبي : التقدير يا هؤلاء . قال النحاس : هذا خطأ على قول سيبويه ، ولا يجوز هذا أقبل . وقال الزجاج : هؤلاء بمعنى الذين . قوله تعالى : { تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } داخل في الصلة ، أي ثم أنتم الذين تقتلون . وقيل : " هؤلاء " رفع بالابتداء ، و " أنتم " خبر مقدم ، و " تقتلون " حال من أولاء . وقيل : " هؤلاء " نصب بإضمار أعني . وقرأ الزهري " تقتلون " بضم التاء مشددا ، وكذلك { فلم تقتلون أنبياء الله } [ البقرة : 91 ] . وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل رده إلى الأسلاف . نزلت في بني قينقاع وقريظة والنضير من اليهود ، وكانت بنو قينقاع أعداء قريظة ، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع ، والخزرج حلفاء بني قريظة . والنضير والأوس والخزرج إخوان ، وقريظة والنضير أيضا إخوان ، ثم افترقوا فكانوا يقتتلون ، ثم يرتفع الحرب فيفدون أساراهم ، فعيرهم الله بذلك فقال : { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم } .
قوله تعالى : { تظاهرون } معنى " تظاهرون " تتعاونون ، مشتق من الظهر ، لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر ، ومنه قول الشاعر :
تظاهرتم أسْتاه بيت تجَمَّعت{[948]} *** على واحد لا زلتم قِرنَ وَاحِدِ
وقرأ أهل المدينة وأهل مكة " تظاهرون " بالتشديد ، يدغمون التاء في الظاء لقربها منها ، والأصل تتظاهرون . وقرأ الكوفيون " تظاهرون " مخففا ، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها ، وكذا { وإن تظاهرا عليه{[949]} } [ التحريم : 4 ] . وقرأ قتادة " تظهرون عليهم " وكله راجع إلى معنى التعاون ، ومنه : { وكان الكافر على ربه ظهيرا{[950]} } [ الفرقان : 55 ] وقوله : { والملائكة بعد ذلك ظهير }[ التحريم : 4 ] فاعلمه{[951]} . { بالإثم والعدوان } والإثم : الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم . والعدوان : الإفراط في الظلم والتجاوز فيه .
الأولى : قوله تعالى : { وإن يأتوكم أسارى } شرط وجوابه : " تفادوهم " و " أسارى " نصب على الحال . قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول : ما صار في أيديهم فهم الأسارى ، وما جاء مستأسرا فهم الأسرى . ولا يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو ، إنما هو كما تقول : سكارى وسكرى . وقراءة الجماعة " أسارى " ما عدا حمزة فإنه قرأ " أسرى " على فعلى ، جمع أسير بمعنى مأسور ، والباب - في تكسيره إذا كان كذلك - فعلى ، كما تقول : قتيل وقتلى ، وجريح وجرحى . قال أبو حاتم : ولا يجوز أسارى . وقال الزجاج : يقال أسارى كما يقال سكارى ، وفَعَالى هو الأصل ، وفُعَالى داخلة عليها . وحكي عن محمد بن يزيد قال : يقال أسير وأسراء ، كظريف وظرفاء . قال ابن فارس : يقال في جمع أسير أسرى وأسارى ، وقرئ بهما . وقيل : أسارى ( بفتح الهمزة ) وليست بالعالية .
الثانية : الأسير مشتق من الإسار ، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا ؛ لأنه يشد وثاقه ، والعرب تقول : قد أسر قتبه ، {[952]}أي شده ، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر ،
وقال الأعشى :وقيدني الشِّعر في بيته *** كما قيد الآسِرَاتُ الحِمارا{[953]}
أي أنا في بيته ، يريد ذلك بلوغه النهاية فيه . فأما الأسر في قوله عز وجل : " وشددنا أسرهم{[954]} " [ الإنسان : 28 ] فهو الخلق . وأسرة الرجل رهطه ، لأنه يتقوى بهم .
الثالثة : قوله تعالى : { تفادوهم } كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي . والباقون " تفدوهم " من الفداء . والفداء : طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم . قال الجوهري : " الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر ، وإذا فتح فهو مقصور ، يقال : قم فدى لك أبي . ومن العرب من يكسر " فداء " بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة ، فيقول : فداء لك ، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء . وأنشد الأصمعي للنابغة :
مهلاً فداء لك الأقوامُ كلُّهم *** وما أُثَمِّرُ من مال ومن ولد
ويقال : فداه وفاداه إذا أعطى فداءه فأنقذه . وفداه بنفسه ، وفداه يفديه إذا قال جعلت فداك . وتفادوا ، أي فدى بعضهم بعضا " . والفدية والفدى والفداء كله بمعنى واحد . وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئا ، بمعنى فديت ، ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : فاديت نفسي وفاديت عقيلا . وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر ، تقول : فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي ، قال الشاعر :
قِفي فادِي أسيرك إن قومي *** وقومك ما أرى لهم اجتماعا
الرابعة : قوله تعالى : { وهو محرم عليكم إخراجهم } " هو " مبتدأ وهو كناية عن الإخراج ، و " محرم " خبره ، و " إخراجهم " بدل من " هو " وإن شئت كان كناية عن الحديث والقصة ، والجملة التي بعده خبره ، أي والأمر محرم عليكم إخراجهم . ف " إخراجهم " مبتدأ ثان . و " محرم " خبره ، والجملة خبر عن " هو " ، وفي " محرم " ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الإخراج . ويجوز أن يكون " محرم " مبتدأ ، و " إخراجهم " مفعول ما لم يسم فاعله يسد مسد خبر " محرم " ، والجملة خبر عن " هو " . وزعم الفراء أن " هو " عماد ، وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له ؛ لأن العماد لا يكون في أول الكلام . ويقرأ " وهو " بسكون الهاء لثقل الضمة ، كما قال الشاعر{[955]} :
فهْو لا تنمِي{[956]} رميَّتُه *** ماله لا عُدَّ من نَفَرِه
وكذلك إن جئت باللام وثم ، وقد تقدم{[957]} .
قال علماؤنا : كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتل ، وترك الإخراج ، وترك المظاهرة ، وفداء أساراهم ، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء ، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال : { أفتؤمنون ببعض الكتاب } [ البقرة : 85 ] وهو التوراة { وتكفرون ببعض } [ البقرة : 85 ] ! !قلت : ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض ! ليت بالمسلمين ، بل بالكافرين ! حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ! .
قال علماؤنا : فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد . قال ابن خويز منداد : تضمنت الآية وجوب فك الأسرى ، وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم ، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع . ويجب فك الأسارى من بيت المال ، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين ، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين . وسيأتي{[958]} .
الخامسة : قوله تعالى : { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا } ابتداء وخبر . والخزي الهوان . قال الجوهري : وخزي - بالكسر - يخزى خزيا إذا ذل وهان . قال ابن السكيت : وقع في بلية . وأخزاه الله ، وخزي أيضا يخزى خزاية إذا استحيا ، فهو خزيان . وقوم خزايا وامرأة خزيا .
السادسة : قوله تعالى : { ويوم القيامة يردون } " يردون " بالياء قراءة العامة ، وقرأ الحسن " تردون " بالتاء على الخطاب . { إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون } تقدم القول فيه{[959]} ، وكذلك : { أولئك الذين اشتروا } الآية{[960]} فلا معنى للإعادة . " يوم " منصوب ب " يردون " .
ولما كان هذا بما{[3390]} أكد{[3391]} به من{[3392]} ذكر الميثاق في مظهر العظمة وإضافة الجناية إلى نفس الجاني جديراً بالبعد منه أشار إلى ذلك بقوله : { ثم أنتم هؤلاء } الحقيرون المقدور عليهم{[3393]} المجهولون الذين لا يعرف لهم اسم ينادون به ، أو الموجودون الآن ؛ ثم استأنف البيان عن هذه الجملة فقال{[3394]} : { تقتلون أنفسكم } من غير التفات إلى هذا العهد الوثيق { وتخرجون فريقاً منكم }{[3395]} أي ناساً هم أشقّاء{[3396]} لكم فهم جديرون منكم بالإحسان لا بالإخراج { من ديارهم } .
ولما كان من المستبعد{[3397]} جداً بعد الاستبعاد الأول أن يقعوا في ذلك على طريق العدوان استأنف البيان لذلك{[3398]} بقوله :
{ تظاهرون } أي تتعاونون ، من التظاهر{[3399]} ، وهو تكلف المظاهرة وهي تساند القوة كأنه استناد ظهر إلى ظهر - قاله الحرالي : { عليهم بالإثم }{[3400]} أي مصاحبين للإثم وهو أسوأ الاعتداء في قول أو فعل أو حال ، ويقال لكذوب : أثوم ، لاعتدائه بالقول على غيره ، والإثم الخمر لما يقع بها من العدواة والعدوى - قاله الحرالي : { والعدوان }{[3401]} أي{[3402]} والامتلاء في مجاوزة الحدود{[3403]} { وإن يأتوكم } أي هؤلاء الذين تعاونتم أو عاونتم عليهم { أسارى } جمع أسرى جمع أسير ، وأصله المشدود بالأسر ، وهو القد وهو ما يقد أي يقطع من السير { تفادوهم{[3404]} } {[3405]}أي تخلصوهم بالمال{[3406]} ، من الفداء وهو الفكاك بعوض ، و { تفادوهم } من المفاداة وهي الاستواء في العوضين . قاله الحرالي .
ثم أكد تحريم الإخراج بزيادة الضمير والجملة الاسمية في قوله{[3407]} : { وهو محرم } من التحريم وهو{[3408]} تكرار الحرمة بالكسر وهي المنع من الشيء لدنايته ، والحرمة بالضم المنع من الشيء لعلوه - قاله الحرالي{[3409]} : { عليكم }{[3410]} ولما كان يُظن أن الضمير للفداء عينه فقال{[3411]} : { إخراجهم } ثم أنكر عليهم التفرقة بين الأحكام فقال : { أفتؤمنون ببعض الكتاب } أي التوراة وهو الموجب للمفاداة { وتكفرون ببعض } وهو المحرم للقتل والإخراج ، ثم سبب عن ذلك قوله : { فما جزاء من يفعل ذلك{[3412]} } {[3413]}الأمر العظيم الشناعة{[3414]} { منكم إلا خزي } ضد ما قصدتم بفعلكم من العز ، والخزي إظهار القبائح التي يستحيى من إظهارها عقوبة - قاله الحرالي{[3415]} : { في الحياة الدنيا } تعجيلاً للعقوبة{[3416]} له في الدار التي جعلها محط{[3417]} قصده . وقد فعل سبحانه ذلك بأنواع الذل والقتل فما دونه ، { ويوم القيامة } هي فعالة تفهم فيها التاءُ المبالغةَ والغلبة ، وهو{[3418]} قيام أمر مستعظم ، والقيام هو الاستقلال بأعباء ثقيلة { يردون{[3419]} } {[3420]}أي بالبعث ، والرد{[3421]} هو الرجوع إلى ما كان منه بدء المذهب - قاله الحرالي : { إلى أشد العذاب{[3422]} } لأنه الخزي الأعظم .
{[3423]}ولما كانت المواجهة بالتهديد أدل على الغضب التفت إليهم في قراءة الجماعة فعطف على ما تقديره{[3424]} ذلك بأن الله عالم بما قصدتموه في ذلك فهو يجازيكم بما تستحقون قوله : { وما الله } {[3425]}أي المحيط علماً وقدرة{[3426]} { بغافل عما } أي عن شيء بما{[3427]} { تعملون }{[3428]} من ذلك ومن غيره ، {[3429]}وقراءة نافع وابن كثير بالغيب على الأسلوب الماضي{[3430]} .