غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} (33)

26

ثم إنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن علو درجات الرسل وسموّ طبقاتهم فقال : { إن الله اصطفى آدم ونوحاً } الآية أي جعلهم صفوة خلقه والمختارين من بينهم تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة ، وذلك باستخلاصهم من الصفات الذميمة وتحليتهم بالخصال الحميدة كقوله :{ الله أعلم حيث يجعل رسالاته }[ الأنعام : 124 ] وقيل : المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح ولكن الأصل عدم الإضمار . وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم السلام مخالفون لغيرهم في القوى الجسمانية والقوى الروحانية . أما القوى الجسمانية فهي إما مدركة أو محركة .

أما المدركة فهي الحواس الظاهرة أو الباطنة أما الظاهرة فقوله صلى الله عليه وسلم " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها " وقوله :

" أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري " وهذا يدل على كمال القوة الباصرة ونظيرها ما حصل لإبراهيم عليه السلام

{ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض }[ الأنعام : 75 ] ذكروا في تفسيره أن الله تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت وليس بمستبعد ، فإنه يروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام . ويقال : إن النسر وغيره من عظام الجوارح يرتفع فيرى صيده من مائة فرسخ . وقال صلى الله عليه وسلم : " أطت السماء وحق لها أن تئط " فسمع أطيط السماء . ومثله ما زعمت الفلاسفة أن فيثاغورس راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك . وقد سمع سليمان كلام النمل وفهمه . ومثله ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم مع الذئب ومع البعير ، وقد وجد يعقوب صلى الله عليه وسلم ريح يوسف من مسيرة أيام . وقال صلى الله عليه وسلم " إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم " وهو دليل كمال قوة الذوق . وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم ، قيل : وهو دليل قوة اللمس كما في النعامة والسمندل وفيه نظر ، إذ لا إدراك ههنا فكيف يستدل به على قوة الإدراك ؟ بل يجب أن يحمل هذا على معنى آخر وهو أنه تعالى لا يبعد أن يجعل المنافي ملائماً للإعجاز أو لخاصية أودعها في المنافي حتى يصير ملائماً . وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ قال تعالى :{ سنقرئك فلا تنسى }[ الأعلى : 6 ] ومنها قوة الذكاء قال علي رضي الله عنه : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب . وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي ؟ وأما القوة المحركة فكعروج النبي صلى الله عليه وسلم وعروج عيسى عليه السلام إلى السماء ، وكرفع إدريس وإلياس على ما ورد في الأخبار . وأما القوة الروحانية العقلية فنقول : إن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس ، أو كالمخالفة صفاء ونورية وانجذاباً إلى عالم الأرواح ، فلا جرم تجري عليها الأنوار الفائضة من المبادئ العالية أتم من سائر النفوس وأكمل ، ولهذا بعثت مكملة للناقصين ومعلمة للجاهلين ومرشدة للطالبين مصطفاة على العالمين من جميع سكان الأرضين عند من يقول الملك أفضل من البشر ، أو من سكان السماوات أيضاً عند من يرى البشر أفضل المخلوقات . ثم إن القرآن دل على أن أول الأنبياء اصطفاء آدم صفي الله وخليفته . ثم إنه وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم وهم : شيث وأولاده إلى إدريس ، ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم ثم انشعب من إبراهيم صلى الله عليه وسلم شعبتان : إسماعيل وإسحاق .

فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وجعل إسحاق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيص . فوضع النبوة في نسل يعقوب ، ووضع الملك في نسل عيص ، واستمر ذلك إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم . فلما ظهر محمد صلى الله عليه وسلم نقل نور النبوة ونور الملك إليه صلى الله عليه وسلم وبقي الدين والملك في أمته صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ، فالمراد بآل إبراهيم أولاده عليهم الصلاة والسلام وهو المطلوب بقوله :{ ومن ذريتي }[ البقرة : 124 ] بعد قوله :{ إني جاعلك للناس إماماً }[ البقرة : 124 ] وأما آل عمران فقيل : أولاد عمران بن يصهر والدموسي وهارون . وقيل : المراد بعمران والد مريم وهو عمران بن ماثان بدليل قوله عقيبه

{ إذ قالت امرأة عمران }[ آل عمران : 35 ] ولا شك أنه عمران بن ماثان جد عيسى من قبل الأم ، ولأن الكلام سيق للناصرى الذين يحتجون على إلهية عيسى عليه السلام بالخوارق التي ظهرت على يده . فالله تعالى يقول : إن ذلك باصطفاء الله إياه لا لكونه شريكاً للإله ولأن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى :{ وجعلناها وابنها آية للعالمين }[ الأنبياء : 91 ] .

/خ34