قوله تعالى : " وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم " كسرت " إن " لأنها مبتدأة بعد القول وفتحها لغة . وقد تقدم في " آل عمران{[5119]} " اشتقاق لفظ المسيح . " رسول الله " بدل ، وإن شئت على معنى أعني . " وما قتلوه وما صلبوه " رد لقولهم . " ولكن شبه لهم " أي ألقي شبهه على غيره كما تقدم في " آل عمران " {[5120]} . وقيل : لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه ؛ كما قال تعالى : " وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه " والإخبار قيل : إنه عن جميعهم . وقيل : إنه لم يختلف فيه إلا عوامهم ؛ ومعنى اختلافهم قول بعضهم إنه إله ، وبعضهم هو ابن الله . قاله الحسن . وقيل اختلافهم أن عوامهم قالوا قتلنا عيسى . وقال من عاين رفعه إلى السماء : ما قتلناه . وقيل : اختلافهم أن النسطورية من النصارى قالوا : صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته . وقالت الملكانية : وقع الصلب والقتل على المسيح بكماله ناسوته ولا هوته . وقيل : اختلافهم هو أنهم قالوا : إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ ! وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ ! وقيل : اختلافهم هو أن اليهود قالوا : نحن قتلناه ؛ لأن يهوذا رأس اليهود هو الذي سعى في قتله . وقالت طائفة من النصارى : بل قتلناه نحن . وقالت طائفة منهم : بل رفعه الله إلى السماء ونحن ننظر إليه . " ما لهم به من علم " من زائدة ؛ وتم الكلام . ثم قال عز وجل : " إلا اتباع الظن " استثناء ليس من الأول في موضع نصب ، ويجوز أن يكون في موضع رفع على البدل ؛ أي : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن . وأنشد سيبويه :
وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافيرُ{[5121]} وإلا العيسُ
قوله تعالى : " وما قتلوه يقينا " قال ابن عباس والسدي : المعنى ما قتلوا ظنهم يقينا ؛ كقولك : قتلته علما إذا علمته علما تاما ؛ فالهاء عائدة على الظن . قال أبو عبيد : ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقينا لقال : وما قتلوه فقط . وقيل : المعنى وما قتلوا الذي شبه لهم أنه عيسى يقينا . فالوقف على هذا على " يقينا " . وقيل : المعنى وما قتلوا عيسى ، والوقف على " وما قتلوه " و " يقينا " نعت لمصدر محذوف ، وفيه تقديران : أحدهما : أي قالوا هذا قولا يقينا ، أو قال الله هذا قولا يقينا . والقول الآخر : أن يكون المعنى وما علموه علما يقينا . النحاس : إن قدرت المعنى بل رفعه الله إليه يقينا فهو خطأ ؛ لأنه لا يعمل ما بعد " بل " فيما قبلها لضعفها . وأجاز ابن الأنباري الوقف على " وما قتلوه " على أن ينصب " يقينا " بفعل مضمر هو جواب القسم ، تقديره : ولقد صدقتم يقينا أي صدقا يقينا .
ثم علمهم{[23323]} بما لم ينالوا من{[23324]} قتل أعظم من جاء من أنبيائهم بأعظم ما رأوا من الآيات من بعد موسى وهو{[23325]} عيسى عليهما الصلاة والسلام ، ثم بادعائهم لقتله وصلبه افتخاراً به مع شكهم فيه فقال : { وقولهم إنا قتلنا المسيح } ثم بينه بقوله : { عيسى ابن مريم } ثم تهكموا به بقولهم{[23326]} { رسول الله } أي الذي له أنهى العظمة ، فجمعوا بين {[23327]}أنواع من{[23328]} القبائح ، منها التشيع{[23329]} بما لم يعطوا ، ومنها أنه على تقدير صدقهم جامع لأكبر الكبائر مطلقاً ، وهو الكفر بقتل النبي لكونه نبياً ، وأكبر الكبائر بعده وهو مطلق القتل ، ولم يكفهم ذلك حتى كانوا يصفونه بالرسالة مضافة إلى الاسم الأعظم استهزاء به وبمن أرسله عزَّ اسمه وجلت{[23330]} عظمته وتعالى كبرياؤه وتمت كلماته ونفذت أوامره ، لكونه لم يمنعه منهم على زعمهم { وما } أي والحالة أنهم ما{[23331]} { قتلوه وما صلبوه } وإن كثر قائلو ذلك منهم ، وسلمه{[23332]} لهم النصارى { ولكن } لما كان المقصود وقوع اللبس عليهم الضار لهم ، لا لكونه من معين قال{[23333]} : { شبه لهم } أي فكانوا{[23334]} في عزمهم بذلك متشيعين بما لم يعطوا .
ولما أفهم التشبيه{[23335]} الاختلاف ، فكان التقدير : فاختلفوا بسبب التشبيه في قتله ، فمنهم من قال : قتلناه جازماً ، ومنهم من قال : ليس هو المقتول ، ومنهم من قال : الظاهر أنه هو ، عطف عليه قوله دالاً على شكهم باختلافهم : { وإن الذين اختلفوا فيه } أي في قتله { لفي شك منه } أي تردد مستوى الطرفين ، كلهم وإن جزم بعضهم ، ثم أكد هذا المعنى بقوله : { ما لهم به } وأغرق في النفي بقوله : { من علم } .
ولما كانوا يكلفون أنفسهم اعتقاد ذلك بالنظر في شهادته ، فربما قويت عندهم{[23336]} شبهة فصارة أمارة أوجبت لهم{[23337]} - لشغفهم{[23338]} بآمالها - ظناً ثم اضمحلت في الحال لكونها لا حقيقة لها ، فعاد الشك وكان أبلغ في التحير{[23339]} ؛ قال : { إلا } أي لكن { اتباع الظن } أي يكلفون أنفسهم الارتقاء من درك{[23340]} الشك إلى رتبة الظن ، وعبر بأداة الاستثناء دون " لكن " الموضوعة للانقطاع إشارة إلى أن إدراكهم لما زعموه{[23341]} من قتله{[23342]} مع كونه في الحقيقة شكاً يكلفون أنفسهم جعله ظناً ، ثم يجزمون به ، ثم صار عندهم متواتراً قطعياً ، فلا أجهل منهم .
ولما{[23343]} أخبر بشكهم فيه بعد الإخبار بنفيه أعاد ذلك على وجه أبلغ فقال : { وما قتلوه } أي انتفى قتلهم له انتفاء { يقيناً * } أي انتفاؤه على سبيل القطع ، ويجوز أن يكون حالاً من " قتلوه " أي ما فعلوا{[23344]} القتل متيقنين أنه{[23345]} عيسى عليه الصلاة والسلام ، بل فعلوه شاكين فيه والحق أنهم لم يقتلوا{[23346]} إلا الرجل الذي ألقى شبهه عليه ، والوجه الأول أولى لقوله : { بل رفعه الله } بما له من العظمة البالغة والحكمة الباهرة
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.