الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا} (20)

فيه ست مسائل :

الأولى : لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة ، وأن للزوج أخذ المال منها عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه الزوج ، وبين أنه إذا أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة ، فليس له أن يطلب منها مالا .

الثانية : واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان الفراق وكان منهما نشوز وسوء عشرة ، فقال مالك رضي الله عنه : للزوج أن يأخذ منها إذا تسببت في الفراق ولا يراعى تسببه هو . وقال جماعة من العلماء : لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وتطلبه في ذلك .

الثالثة : قوله تعالى : " وآتيتم إحداهن قنطارا " فيها دليل على جواز المغالاة في المهور ؛ لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح . وخطب عمر رضي الله عنه فقال : ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته{[4189]} فوق اثنتي عشرة أوقية . فقامت إليه امرأة فقالت : يا عمر ، يعطينا الله وتحرمنا ! أليس الله سبحانه وتعالى يقول : " وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا " ؟ فقال عمر : أصابت امرأة وأخطأ عمر . وفي رواية فأطرق عمر ثم قال : كل الناس أفقه منك يا عمر ! . وفي أخرى : امرأة أصابت ورجل أخطأ . وترك الإنكار . أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال : خطب عمر الناس ، فذكره إلى قوله : اثنتي عشرة أوقية ، ولم يذكر : فقامت إليه امرأة . إلى آخره . وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي العجفاء ، وزاد بعد قوله : أوقية . وأن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه ، ويقول : قد كلفت إليك علق القربة - أو عرق القربة ، وكنت رجلا عربيا مولدا{[4190]} ما أدري ما علق القربة أو عرق القربة . قال الجوهري : وعلق القربة لغة في عرق القربة . قال غيره : ويقال علق القربة عصامها الذي تعلق به . يقول : كلفت إليك حتى عصام القربة . وعرق القربة ماؤها . يقول : جشمت إليك حتى سافرت واحتجت إلى عرق القربة ، وهو ماؤها في السفر . ويقال : بل عرق القربة أن يقول : نصبت لك وتكلفت حتى عرقت عرق القربة ، وهو سيلانها . وقيل : إنهم كانوا يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه فيشق على الظهر ؛ ففسر به اللفظان : العرق والعلق . وقال الأصمعي : عرق القربة كلمة معناها الشدة . قال : ولا أدري ما أصلها . قال الأصمعي : وسمعت ابن أبي طرفة وكان من أفصح من رأيت يقول : سمعت شيخاننا يقولون : لقيت من فلان عرق القربة ، يعنون الشدة . وأنشدني لابن الأحمر :

ليست بمَشْتَمَةٍ تُعَدُّ وعفوُها *** عَرَقُ السقاء على القَعُودِ اللاَّغِبِ

قال أبو عبيد : أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها ، وقد أبلغت إليه كعرق القربة ، فقال : كعرق السقا لما لم يمكنه الشعر ، ثم قال : على القعود اللاغب ، وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم .

وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه ، زعم أنهم كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه ، فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر . وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام . وقال قوم : لا تعطى الآية جواز المغالاة بالمهور ؛ لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة ؛ كأنه قال : وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد . وهذا كقوله : ( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة{[4191]} بنى الله له بيتا في الجنة ) . ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة . وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد وقد جاء يستعينه في مهره ، فسأله عنه فقال : مائتين ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة{[4192]} أو جبل ) . فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور ، وهذا لا يلزم ، وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل المتزوج ليس إنكارا لأجل المغالاة والإكثار في المهور ، وإنما الإنكار لأنه كان فقيرا في تلك الحال فأحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال ، وهذا مكروه باتفاق . وقد أصدق عمر أم كلثوم بنت علي من فاطمة رضوان الله عليهم أربعين ألف درهم .

وروى أبو داود عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : ( أترضى أن أزوجك فلانة ) ؟ قال : نعم . وقال للمرأة : ( أترضين أن أزوجك فلانا ) ؟ قالت : نعم . فزوج أحدهما من صاحبه فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا ، وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر ، فلما حضرته الوفاة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا ، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر ، فأخذت سهمها فباعته بمائة ألف .

وقد أجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق ؛ لقوله تعالى : " وآتيتم إحداهن قنطارا " واختلفوا في أقله ، وسيأتي عند قوله تعالى : " أن تبتغوا بأموالكم " [ النساء : 24 ] . ومضى القول في تحديد القنطار في " آل عمران{[4193]} " . وقرأ ابن محيصن " وآتيتم احداهن " بوصل ألف " إحداهن " وهي لغة ، ومنه قول الشاعر :

وتسمع من تحت العجاج لها ازْمَلاَ{[4194]}

وقول الآخر :

إن لم أقاتل فالبِسوني بُرقُعَا

الرابعة : قوله تعالى : " فلا تأخذوا منه شيئا " قال بكر بن عبدالله المزني : لا يأخذ الزوج من المختلعة شيئا ؛ لقول الله تعالى : " فلا تأخذوا " ، وجعلها ناسخة لآية " البقرة " . وقال ابن زيد وغيره : هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " {[4195]} [ البقرة : 229 ] . والصحيح أن هذه الآيات محكمة وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وكلها يبنى بعضها على بعض . قال الطبري : هي محكمة ، ولا معنى لقول بكر : إن أرادت هي العطاء ، فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها . " بهتانا " مصدر في موضع الحال " وإثما " معطوف عليه " مبينا " من نعته .


[4189]:في ابن ماجه: ولا أصدقت امرأة من بناته الخ.
[4190]:في ج و ي: مولدا لأبي عبيد. وليس في ابن ماجه ويبدو أن لفظ أبي عبيد مقحم من شرح أبي عبيد اللفظة كما في التاج فليراجع في: عرق.
[4191]:مفحص القطاة: موضعها الذي تجثم فيه وتبيض.
[4192]:الحرة: أرض ذات حجارة نخرة سود.
[4193]:راجع ج 4ص 30.
[4194]:الأزمل: الصوت.
[4195]:راجع ج 3 ص 136.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا} (20)

ولما نهى عن العضل تسبباً إلى إذهاب {[20860]}بعض ما{[20861]} أعطيته المرأة أتبعه التصريح بالنهي عن أخذ شيء{[20862]} منه في غير الحالة التي أذن فيها في المضارة فقال : { وإن } أي إن{[20863]} لم تعضلوا المرأة ، بل { أردتم استبدال زوج } أي تنكحونها { مكان زوج } أي{[20864]} فارقتموها أو لا ، ولم يكن من قبلنا ما يبيح الضرار{[20865]} .

ولما كان المراد بزوج{[20866]} الجنس جمع في قوله : { وآتيتم إحداهن } أي إحدى النساء اللاتي وقع{[20867]} الإذن لكم في جمعهن في النكاح سواء كانت بدلاً{[20868]} أو مستبدلاً بها{[20869]} { قنطاراً } أي مالاً جماً { فلا تأخذوا منه شيئاً } أي بالمضارة عن غير طيب نفس منها ، ولا سبب مباح ، ثم عظم أخذه باستفهام إنكار وتوبيخ فقال : { أتأخذونه } أي على ذلك الوجه ، ولما تقدم أن من صور الغصب على الافتداء حال{[20870]} الإتيان بالفاحشة شبه الأخذ في هذه الحالة التي لا سبب{[20871]} لها بالأخذ في تلك الحالة ، فجعل الأخذ على هذه الصورة قائماً{[20872]} مقام القذف بما لا حقيقة له فلذلك{[20873]} قال : { بهتاناً وإثماً مبيناً * } أي كذوي بهتان في أخذه وإثم مبين - لكونه لا سبب له - يورث شبهة فيه ،


[20860]:من ظ ومد، وفي الأصل: بعضها.
[20861]:من ظ ومد، وفي الأصل: بعضها.
[20862]:من مد، وفي الأصل وظ: شيئا.
[20863]:سقط من ظ ومد.
[20864]:زيد من مد.
[20865]:في مد: الضرر.
[20866]:في ظ: تزوج.
[20867]:زيد من ظ ومد.
[20868]:من مد، وفي الأصل وظ: ويستبدلانها ـ كذا.
[20869]:من مد، وفي الأصل وظ: ويستبدلانها ـ كذا.
[20870]:من مد، وفي الأصل وظ: مال.
[20871]:من مد، وفي الأصل وظ: سبيل.
[20872]:من ظ ومد، وفي الأصل: قايم.
[20873]:من ظ ومد، وفي الأصل: فكذلك.