قوله تعالى : " واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به " قيل : هو الميثاق الذي في قوله عز وجل : " وإذ أخذ ربك من بني آدم{[5402]} " [ الأعراف : 172 ] . قاله مجاهد وغيره . ونحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الصادق به ، فيجوز أن نؤمر بالوفاء به . وقيل : هو خطاب لليهود بحفظ ما أخذ عليهم في التوراة . والذي عليه الجمهور من المفسرين كابن عباس والسدي هو العهد والميثاق الذي جرى لهم مع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره إذ قالوا : سمعنا وأطعنا ، كما جرى ليلة العقبة وتحت الشجرة ، وأضافه تعالى إلى نفسه كما قال : " إنما يبايعون الله " {[5403]} [ الفتح : 10 ] فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم ، وأن يرحل إليهم هو وأصحابه ، وكان أول من بايعه البراء بن معرور ، وكان له في تلك الليلة المقام المحمود في التوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والشد لعقد أمره ، وهو القائل : والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا{[5404]} ، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر . الخبر المشهور في سيرة ابن إسحاق . ويأتي ذكر بيعة الرضوان في موضعها{[5405]} . وقد اتصل هذا بقوله تعالى : " أوفوا بالعقود " [ المائدة : 1 ] فوفوا بما قالوا ؛ جزاهم الله تعالى عنهم وعن الإسلام خيرا ، ورضي الله عنهم وأرضاهم . " واتقوا الله " أي في مخالفته أنه عالم بكل شيء .
ولما كان في هذه المأمورات والمنهيات خروج عن المألوفات ، وكانت الصلاة أوثق عرى الدين ، وكان قد عبر عنها بالإيمان الذي هو أصل الدين وأساس الأعمال ، عطف عليها قوله تذكيراً{[24493]} بما يوجب القبول والانقياد : { واذكروا } أي ذكر اتعاظ وتأمل واعتبار .
ولما كان المقصود من الإنعام غايته قال : { نعمة الله } أي الملك الأعلى { عليكم } أي في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، وفي غير ذلك من جميع النعم ، وإنما لم تجمع{[24494]} لئلا يظن أن المقصود تعداد النعم ، لا الندب إلى الشكر بتأمل أن هذا الجنس لا يقدر عليه غيره سبحانه وعظَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يستحقه بجعل فعله سبحانه فعله صلى الله عليه وسلم فقال : { وميثاقه } أي عقده الوثيق { الذي واثقكم به } أي بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم حين بايعكم ليلة العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره { إذ } أي حين { قلتم سمعنا وأطعنا } وفي ذلك تحذير من مثل ما أراد بهم{[24495]} شاس بن قيس ، وتذكير{[24496]} بما أوجب له صلى الله عليه وسلم عليهم من الشكر بهدايته لهم إلى الإسلام المثمر لالتزام تلك العهود ليلة العقبة الموجبة للوفاء الموعود عليه الجنة ، والتفات{[24497]} إلى قوله أول السورة
{ أوفوا بالعقود }[ المائدة : 1 ] وحديث إسباغ الوضوء على المكاره مبيّن لحسن هذا التناسب .
ولما كان أمر الوفاء بالعهد صعباً ، لا يقوم به إلا من صدقت عريقته{[24498]} وصلحت سريرته ، وإنما يحمل عليه مخافة الله قال : { واتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين ما يغضب الملك الأعظم . الذي يفعل ما يشاء . من نقض العهد وقاية من حسن القيام ، لتكونوا في أعلى{[24499]} درجات وعيه{[24500]} ، ثم علل ذلك مرغباً مرهباً بقوله : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { عليم } أي بالغ العلم { بذات الصدور * } أي أحوالها من سرائرها{[24501]} وإن كان صاحبها لم يعلمها لكونها لم تبرز{[24502]} إلى الوجود ، وعلانيتها وإن كان صاحبها قد نسيها{[24503]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.