قوله تعالى : " وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة " يريد آدم عليه السلام . وقد تقدم في أول السورة{[6585]} . " فمستقر " قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج وشيبة والنخعي بكسر القاف ، والباقون بفتحها . وهي في موضع رفع بالابتداء ، إلا أن التقدير فيمن كسر القاف فمنها " مستقر " والفتح بمعنى لها " مستقر " . قال عبد الله بن مسعود : فلها مستقر في الرحم ومستودع في الأرض التي تموت فيها ، وهذا التفسير يدل على الفتح . وقال الحسن : فمستقر في القبر . وأكثر أهل التفسير يقولون : المستقر ما كان في الرحم ، والمستودع ما كان في الصلب ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وقاله النخعي . وعن ابن عباس أيضا : مستقر في الأرض ، ومستودع في الأصلاب . قال سعيد بن جبير : قال لي ابن عباس هل تزوجت ؟ قلت : لا ، فقال : إن الله عز وجل يستخرج من ظهرك ما استودعه فيه . وروي عن ابن عباس أيضا أن المستقر من خلق ، والمستودع من لم يخلق ، ذكره الماوردي . وعن ابن عباس أيضا : ومستودع عند الله .
قلت : وفي التنزيل " ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين " [ البقرة : 36 ] والاستيداع إشارة إلى كونهم في القبر إلى أن يبعثوا للحساب ، وقد تقدم في ( البقرة ){[6586]} . " قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون " قال قتادة : " فصلنا " بينا وقررنا . والله أعلم{[6587]} .
ولما ذكر سبحانه بعض هذا الملكوت الأرضي والسماوي ، أتبعه - كما مضى في أول السورة - الخلق المفرد الجامع لجميع الملكوت ، وهو الإنسان ، دالاً على كمال القدرة على كل ما يريد ، مبطلاً بمفاوتة أول الإبداع وآخر الآجال ما اعتقدوا في النور والظلمة والشمس والقمر وغيرهما ، لأن واحداً{[30583]} منها لا اختيار له في شيء يصدر{[30584]} عنه ، بل هو مسخر ومقهور كما هو محسوس ومشهور ، فقال : { وهو } أي لا غيره { الذي أنشأكم } أي وأنتم في غاية التفاوت في الطول والقد واللون والشكل وغير ذلك من الأعراض التي دبرها سبحانه على ما اقتضته حكمته { من نفس واحدة } ثم اقتطع منها زوجها ثم فرّعكم منهما .
ولما كان أغلب الناس في الحياة الدنيا{[30585]} يعمل عمل من لا يحول ولا يزول ، لا يكون على شرف الزوال ما دامت{[30586]} فيه بقية من{[30587]} حياة ، قال{[30588]} : { فمستقر * } أي فسبب عن ذلك أنه منكم مستقر على الأرض - هذا على قراءة ابن كثير وابن عمروبكسر القاف اسم فاعل ، والمعنى في قراءة الباقين{[30589]} بفتحه اسم مكان
{ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين{[30590]} }[ البقرة : 26 ] .
ولما كان من في البرزخ قد كشف عنهم{[30591]} الغطاء فهم موقنون بالساعة غير{[30592]} عاملين على ضد ذلك ، وكذا من في الصلب والرحم ، عبر بما{[30593]} يدل على عدم الاستقرار فقال : { ومستودع } أي في الأصلاب أو الأرحام أو في بطن الأرض ، فدلت المفاوتة من كل منهما - مع أن الكل من نفس واحدة - على القادر المختار{[30594]} ، لا يقدر غيره أن{[30595]} يعكس شيئاً من ذلك ، وكل ذلك مضمون الآيتين في أول السورة ، وقدم الإصباح والليل ومتعلقهما لتقدمهما في الخلق ، ثم تلاه بخلق الإنسان على حسب ما مرّ أول السورة ، وذكر هنا أنه جعل ذلك الطين نفساً واحدة فرّع الإنس كلهم منها مع تفاوتهم فيما{[30596]} هناك وفي غيره .
ولما ذكر هذا المفرد{[30597]} الجامع ، وفصّله على هذه الوجوه المعجبة ، كان محلاً لتوقع التنبيه عليه فقال : { قد فصلنا } أي بعظمتنا { الآيات } أي أكثرنا بيانها في هذا المفرد{[30598]} الجامع في أطوار الخلقة وأدوار الصنعة{[30599]} ، تارة بأن يكون من التراب بشر ، وأخرى بأن يخرج الأنثى من الذكر ، وتارة بأن يفرّع من الذكر والأنثى ما لا يحيط به العد{[30600]} ولا يجمعه الخبر من النطفة إلى الولادة إلى الكبر .
ولما كان إنشاء الناس من نفس واحدة وتصريفهم على تلك الوجوه المختلفة جداً ألطف وأدق صنعة{[30601]} ، فكان ذلك محتاجاً{[30602]} إلى تدبر واستعمال فطنة وتدقيق نظر{[30603]} ، قال : { لقوم يفقهون * } أي لهم أهلية الفقه والفطنة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.