الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (66)

قوله تعالى : " لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم " على جهة التوبيخ ، كأنه يقول : لا تفعلوا ما لا ينفع ، ثم حكم عليهم بالكفر وعدم الاعتذار من الذنب . واعتذر بمعنى أعذر ، أي صار ذا عذر . قال لبيد :

ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر{[8136]}

والاعتذار : محو أثر الموجدة ، يقال : اعتذرت المنازل درست . والاعتذار الدروس . قال الشاعر{[8137]} :

أم كنت تعرف آيات فقد جعلت*** أطلالُ إلفِك بالودكاء تعتذرُ

وقال ابن الأعرابي : أصله القطع . واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من الموجدة . ومنه عذرة الغلام وهو ما يقطع منه عند الختان . ومنه عذرة الجارية لأنه يقطع خاتم عذرتها .

قوله تعالى : " إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين " قيل : كانوا ثلاثة نفر ، هزئ اثنان وضحك واحد ، فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم . والطائفة الجماعة ، ومقال للواحد على معنى نفس طائفة . وقال ابن الأنباري : يطلق لفظ الجمع على الواحد ، كقولك : خرج فلان على البغال . قال : ويجوز أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد طائفا ، والهاء للمبالغة . واختلف في اسم هذا الرجل الذي عفي عنه على أقوال . فقيل : مخشي بن حمير ، قاله ابن إسحاق . وقال ابن هشام : ويقال فيه ابن مخشي . وقال خليفة بن خياط في تاريخه : اسمه مخاشن بن حمير . وذكر ابن عبدالبر مخاشن الحميري وذكر السهيلي مخشن بن خمير{[8138]} . وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة ، وكان تاب وسمي عبدالرحمن ، فدعا الله أن يقتل شهيدا ولا يعلم بقبره . واختلف هل كان منافقا أو مسلما . فقيل : كان منافقا ثم تاب توبة نصوحا . وقيل : كان مسلما ، إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم .


[8136]:هذا عجز بيت، وصدره: *إلى الحول ثم اسم السلام عليكما*.
[8137]:هو ابن الأحمر الباهلي: كما في اللسان مادة "عذر".
[8138]:من ب و ج.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (66)

ولما حقق استهزاءهم ، أنتج قوله : { لا تعتذروا } أي لا تبالغوا في إثبات العذر ، وهو ما ينفي{[36653]} الملام ، فإن ذلك لا يغنيكم وإن اجتهدتم لأن القطع حاصل بأنكم { قد كفرتم } أي بقولكم هذا ، ودل - على أن كفرهم أحبط ما كان لهم من عمل - بنزع الخافض تشديداً على من نكث{[36654]} منهم تخويفاً له وتحقيقاً{[36655]} بحال من أصر فقال{[36656]} : { بعد إيمانكم } أي الذي ادعيتموه بألسنتكم صدقاً من بعضكم ونفاقاً من غيره .

ولما كان الحال مقتضياً لبيان ما صاروا إليه بعد إكفارهم من توبتهم أو إصرارهم ، بين أنهم قسمان : أحدهما{[36657]} مطبوع على قلبه ومقضي{[36658]} توبته وحبه ، وهذا الأشرف{[36659]} هو المراد بقوله بانياً للمفعول إعلاماً بأن المقصود الأعظم هو الفعل ، لا بالنظر إلى فاعل معين : { إن نعف } لأن كلام الملك وإن جري في مضمار الشرط فهو مرشد إلى تحققه ليحصل الفرق بين كلام الأعلى والأدنى { عن طائفة منكم }{[36660]} أي لصلاحيتها للتوبة { نعذب طائفة } أي قوم ذوو عدد فيهم أهلية الاستدارة{[36661]} ، وقرأ عاصم ببناء الفعلين للفاعل على العظمة { بأنهم } أي بسبب أنهم { كانوا مجرمين* } أي كسبهم للذنوب القاطعة عن الخير صفة لهم ثابتة{[36662]} لا تنفك ، فهم غير متأهلين للعفو ، وشرح هذه القصة أنه كان يسير بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثلاثة{[36663]} نفر من المنافقين : اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول ، والآخر يضحك ، قيل : كانوا يقولون : إن محمداً يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم ، ما أبعده من ذلك ! وقيل : كانوا يقولون : إن محمداً يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين في المدينة قرآن ، وإنما هو قوله وكلامه ، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال : احسبوا الركب عليّ ، فدعاهم وقال لهم : قلتم كذا وكذا ؟ فقالوا : { إنما كنا نخوض ونلعب } أي كنا{[36664]} نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع{[36665]} الطريق بالحديث واللعب ، قال ابن إسحاق : والذي عفا عنه رجل واحد وهو مخشي{[36666]} بن حمير الأشجعي ، يقال : هو الذي كان يضحك ، ولا يخوض وكان يمشي مجانباً لهم وينكر بعض مايسمع ، فلما نزلت هذه{[36667]} الآية تاب{[36668]} .

قال : اللهم ! لا أزال أسمع آية تقرأ ، تقشعر منها الجلود ، وتجب منها القلوب ، اللهم اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك ! لا يقول أحد : أنا غسلت أنا{[36669]} كفنت أنا دفنت ، فأصيب يوم{[36670]} اليمامة ، فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره رضي الله عنه . ولعل إطلاقً الطائفة عليه تعظيماً له وستراً عليه وتبشيراً بتوبة غيره ، ولعل مخشياً كان مؤمناً ولكن كان إيمانه مزلزلاً فلذا عبر هنا بقوله { أكفرتم بعد إيمانكم } والتعبير بذلك أشنع{[36671]} في الذم ولا سيما عند العرب لأنهم يتمادحون بالثبات على أيّ أمر اختاروه ويتذامون بالطيش ، ولعل الجلاس المعنيّ بالقصة الآتية وحده أو مع غيره لم يكن آمن كغيره{[36672]} ممن عني بها ، وما آمن إلا حين تاب ، فلذا عبر هناك بقوله : { وكفروا بعد إسلامهم } ؛ قال أبو حيان : قال ابن{[36673]} عمر : " رأيت وديعة بن ثابت متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكته وهو يقول { إنما كنا نخوض ونلعب } والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أبالله وآياته " - الآية .


[36653]:من ظ، وفي الأصل: نفي.
[36654]:في ظ: تاب.
[36655]:زيد من ظ.
[36656]:زيد من ظ.
[36657]:سقط من ظ.
[36658]:في ظ: مقتضي.
[36659]:من ظ، وفي الأصل: الأشراف.
[36660]:في ظ: منهم.
[36661]:في ظ: الاستداد.
[36662]:في ظ: نابتة.
[36663]:من ظ ومعالم التنزيل ومعظم السياق له ـ راجع لباب التأويل 3/96، وفي الأصل: ثلاثون.
[36664]:زيد من المعالم.
[36665]:من المعالم، وفي الأصل: يقطع، وفي ظ: تقطع.
[36666]:من المعالم، وفي الأصل وظ: مخشن.
[36667]:زيد من المعالم.
[36668]:زيد من ظ والمعالم.
[36669]:سقط من ظ.
[36670]:زيد بعده في الأصل: بدر، ولم تكن الزيادة في ظ ولا في المعالم فحذفناها.
[36671]:في ظ: أبشع.
[36672]:في ظ: لغيره.
[36673]:من ظ والبحر المحيط 5/67، وفي الأصل: أبو.