الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (165)

قوله تعالى : " أولما " الألف للاستفهام ، والواو للعطف . " مصيبة " أي غلبة . " قد أصبتم مثليها " يوم بدر بأن قتلتم منهم سبعين وأسرتم سبعين . والأسير في حكم المقتول ؛ لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد . أي فهزمتموهم يوم بدر ويوم أحد أيضا في الابتداء ، وقتلتم فيه قريبا من عشرين ، قتلتم منهم في يومين ، ونالوا منكم في يوم أحد . " قلتم أنى هذا " أي من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل ، ونحن نقاتل في سبيل الله ، ونحن مسلمون ، وفينا النَّبي والوحي ، وهم مشركون . " قل هو من عند أنفسكم " يعني مخالفة الرماة . وما من قوم أطاعوا نبيهم في حرب إلا نصروا ؛ لأنهم إذا أطاعوا فهم حزب الله ، وحزب الله هم الغالبون . وقال قتادة والربيع بن أنس : يعني سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج بعد ما أراد الإقامة بالمدينة . وتأوّلها في الرؤيا التي رآها درعا حصينة{[3668]} . علي بن أبي طالب رضي الله عنه : هو اختيارهم الفداء يوم بدر على القتل . وقد قيل لهم : إن فاديتم الأسارى قتل منكم على عّدتهم . وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال النّبي صلى الله عليه وسلم في الأسارى يوم بدر : ( إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستمتعتم بالفداء واستشهد منكم بعّدتهم ) . فكان آخر السبعين ثابت بن قيس قتل يوم اليمامة . فمعنى " من عند أنفسكم " على القولين الأولين بذنوبكم . وعلى القول الأخير باختياركم .


[3668]:- كذا في د وب و جـ و حـ وهـ، وفي ا: حصنا حصينا.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (165)

{ أو لما أصابتكم مصيبة } الآية : عتاب للمسلمين على كلامهم فيمن أصيب منهم يوم أحد ودخلت ألف التوبيخ على واو العطف ، والجملة معطوفة على ما تقدم من قصة أو على محذوف .

{ قد أصبتم مثليها } قتل يوم أحد من المسلمين سبعون ، وكان قد قتل من المشركين يوم بدر سبعون ، وأسر سبعون .

{ قل هو من عند أنفسكم } قيل معناه : أنهم عوقبوا بالهزيمة لمخالفتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يقيم بالمدينة ولا يخرج إلى المشركين فأبوا إلا الخروج ، وقيل : بل ذلك إشارة إلى عصيان الرماة حسبما تقدم .