الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (118)

قوله تعالى : " إن تعذبهم فإنهم عبادك " شرط وجوابه " وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " مثله روى النسائي عن أبي ذر قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية ليلة حتى أصبح{[6199]} ، والآية : " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " واختلف في تأويله فقيل : قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم كما يستعطف السيد لعبده ؛ ولهذا لم يقل : فإنهم عصوك . وقيل : قاله على وجه التسليم لأمره والاستجارة من عذابه ، وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر . وقيل الهاء والميم في " إن تعذبهم " لمن مات منهم على الكفر والهاء والميم في " إن تغفر لهم " لمن تاب منهم قبل الموت ، وهذا حسن وأما قول من قال : إن عيسى عليه السلام لم يعلم أن الكافر لا يغفر له فقول مجترئ على كتاب الله عز وجل لأن الأخبار من الله عز وجل لا تنسخ . وقيل : كان عند عيسى أنهم أحدثوا معاصي وعملوا بعده بما لم يأمرهم به إلا أنهم على عمود دينه فقال : وإن تغفر لهم ما أحدثوا بعدي من المعاصي . وقال : " فإنك أنت العزيز الحكيم " ولم يقل : فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره والتفويض لحكمه . ولو قال : فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه ، وذلك مستحيل فالتقدير إن تبقهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذبهم فإنهم عبادك ، وإن تهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده ، الحكيم فيما تفعله تضل من تشاء وتهدي من تشاء . وقد قرأ جماعة : " فإنك أنت الغفور الرحيم " وليست من المصحف ذكره القاضي عياض في كتاب " الشفا " وقال أبو بكر الأنباري : وقد طعن على القرآن من قال إن قوله : " إنك أنت العزيز الحكيم " ليس بمشاكل لقوله : " وإن تغفر لهم " لأن الذي يشاكل المغفرة فإنك أنت الغفور الرحيم ، والجواب أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله ، ومتى نقل إلى الذي نقله إليه ضعف معناه ، فإنه ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني فلا يكون له بالشرط الأول تعلق ، وهو على ما أنزله الله عز وجل واجتمع على قراءته المسلمون مقرون بالشرطين كليهما : أولهما وآخرهما ؛ إذ تلخيصه إن تعذبهم فإنك أنت عزيز حكيم ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم في الأمرين كليهما من التعذيب والغفران فكان العزيز الحكيم أليق بهذا المكان لعمومه ، فإنه يجمع الشرطين ولم يصلح الغفور الرحيم ؛ إذ لم يحتمل من العموم ما احتمله العزيز الحكيم وما شهد بتعظيم الله تعالى وعدله والثناء عليه في الآية كلها والشرطين المذكورين أولى وأثبت معنى في الآية مما يصلح لبعض الكلام دون بعض . خرج مسلم من غير طريق{[6200]} عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قوله عز وجل في إبراهيم " رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم " {[6201]} [ إبراهيم : 36 ] وقال عيسى عليه السلام : " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " فرفع يديه وقال : ( اللهم أمتي ) وبكى فقال الله عز وجل : ( يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك ، فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له{[6202]} إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ) وقال بعضهم : في الآية تقديم وتأخير ومعناه : إن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك ، ووجه الكلام على نفسه أولى لما بيناه وبالله التوفيق .


[6199]:أي يقرأ بآية يرددها في صلاته حتى أصبح.
[6200]:من ك.
[6201]:راجع ج 9 ص 368.
[6202]:من ع.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (118)

{ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } فيها سؤالان الأول كيف قال وإن تغفر لهم وهم كفار والكفار لا يغفر لهم والجواب أن المعنى تسليم الأمر إلى الله وأنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه لأن الخلق عباده ، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء ، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفار ، وإنما يقتضي جوازها في حكمة الله تعالى وعزته ، وفرق بين الجواز والوقوع ، وأما على قول من قال : إن هذا الخطاب لعيسى عليه السلام حين رفعه الله إلى السماء ، فلا إشكال ، لأن المعنى إن تغفر لهم بالتوبة ، وكانوا حينئذ أحياء ، وكل حي معرض للتوبة ، السؤال الثاني : ما مناسبة قوله :{ فإنك أنت العزيز الحكيم } ، لقوله :{ وإن تغفر لهم } والأليق مع ذكر المغفرة أن لو قيل : فإنك أنت الغفور الرحيم ؟ والجواب من ثلاثة أوجه : الأول : يظهر لي أنه لما قصد التسليم لله والتعظيم له ، كان قوله :{ فإنك أنت العزيز } أليق ، فإن الحكمة تقتضي التسليم له والعزة تقتضي التعظيم له ، فإن العزيز هو الذي يفعل ما يريد ؛ ولا يغلبه غيره ، ولا يمتنع عليه شيء أراده ، فاقتضى الكلام تفويض الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدم المغفرة لأنه قادر على كلا الأمرين لعزته وأيهما فعل فهو جميل لحكمته .

الجواب الثاني : قاله شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير : إنما لم يقل الغفور الرحيم لئلا يكون في ذلك تعريض في طلب المغفرة لهم فاقتصر على التسليم والتفويض دون الطلب ، إذ لا تطلب المغفرة للكفار ، وهذا قريب من قولنا .

الثالث : حكى شيخنا الخطيب أبو عبد الله بن رشيد عن شيخه إمام البلغاء في وقته حازم بن حازم أنه كان يقف على قوله :{ وإن تغفر لهم } ويجعل فإنك أنت العزيز استئنافا ، وجواب إن في قوله { فإنهم عبادك } ، كأنه قال إن تعذبهم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك على كل حال .