الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (37)

قوله تعالى : وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه } قال الحسن : { لولا } ههنا بمعنى هلا ؛ وقال الشاعر{[6328]} :

تعدون عَقْرَ النيب أفضل مجدكم *** بني ضَوْطَرَى لولا الكَمِي المقنعا

وكان هذا منهم نعتا بعد ظهور البراهين ، وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة مثله ، لما فيه من الوصف{[6329]} وعلم الغيوب . { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي لا يعلمون أن الله عز وجل إنما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة لعباده ، وكان في علم الله أن يخرج من أصلابهم أقواما يؤمنون به ولم يرد استئصالهم . وقيل : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الله قادر على إنزالها . الزجاج : طلبوا أن يجمعهم على الهدى أي جمع إلجاء .


[6328]:هو الفرزدق يفتخر في شعره بكرم أبيه غالب، وعقره مائة ناقة في معاقرة سحيم بن وثيل الرياحي في موضع يقال له "صوأر" على مسيرة يوم من الكوفة ولذلك يقول جرير أيضا: وقد سرني ألا تعد مجاشع *** من المجد إلا عقر نيب بصوأر وبنو ضوطرى تقال للقوم إذا كانوا لا يغنون غناء.
[6329]:في ب و ع: الرصف. وهو نظم الشيء بعضه إلى بعض.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (37)

{ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه } الضمير في { قالوا } للكفار ، و{ لولا } عرض ، والمعنى : أنهم طلبوا أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بآية على نبوته .

فإن قيل : فقد أتى بآية ، ومعجزاته كثيرة ، فلم طلبوا آية ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أنهم لم يعتدوا بما أتى به : وكأنه لم يأت بشيء عندهم لعنادهم وجحدهم .

والآخر : أنهم إنما طلبوا آية تضطرهم إلى الإيمان من غير نظر ولا تفكر . { قل إن الله قادر على أن ينزل آية } جواب على قولهم ، وقد حكى هذا القول عنهم في مواضع من القرآن وأجيب عليه بأجوبة مختلفة :

منها : ما يقتضي الرد عليهم في طلبهم الآيات فإنه قد أتاهم بآيات وتحصيل الحاصل لا ينبغي كقوله : { قد بينا الآيات } [ آل عمران : 118 ] ، وكقوله : { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } [ العنكبوت : 51 ] .

ومنها : ما يقتضي الإعراض عنهم ، لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته ، ويحتمل أن يكون من هذا قوله : { إن الله قادر على أن ينزل آية } .

ويحتمل أيضا : أن يكون معناه قادر على أن ينزل آية تضطرهم إلى الإيمان . { ولكن أكثرهم لا يعلمون } حذف مفعول { يعلمون } ، وهو يحتمل وجهين ، أحدهما : لا يعلمون أن الله قادر ،

والآخر : لا يعلمون أن الله إنما منع الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان لمصالح العباد ، فإنهم لو رأوها ولم يؤمنوا لعوقبوا بالعذاب .