الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (188)

قوله تعالى : " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا " أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيرا ولا أدفع عنها شرا ؛ فكيف أملك علم الساعة . وقيل : لا أملك لنفسي الهدى والضلال . " إلا ما شاء الله " في موضع نصب بالاستثناء . والمعنى : إلا ما شاء الله أن يملكني يمكنني منه . وأنشد سيبويه :

مهما شاء بالناس يفعل{[7524]}

قوله تعالى : " ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير " المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته . وقيل : لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب . وقال ابن عباس : لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما يكفيني . وقيل : المعنى لو كنت أعلم التجارة التي تنفق لاشتريتها وقت كسادها . وقيل : المعنى لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح . عن الحسن وابن جريج . وقيل : المعنى لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل عنه . وكله مراد ، والله أعلم . " وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون " هذا استئناف كلام ، أي ليس بي جنون ، لأنهم نسبوه إلى الجنون . وقيل : هو متصل ، والمعنى لو علمت الغيب لما مسني سوء ولحذرت ، ودل على هذا قوله تعالى : " إن أنا إلا نذير مبين{[7525]} " [ الشعراء : 115 ] .


[7524]:عجزت بيت للأسود بن يعفر: والبيت: ألا هل لهذا الدهر من متعلل * عن الناس مهما.الخ.
[7525]:من ج وفي ب: إن أنا إلا نذير وبشير.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (188)

{ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } براءة من علم الغيب ، واستدلال على عدم علمه .

{ وما مسني السوء } عطف على { لاستكثرت من الخير } أي : لو علمت الغيب لاستكثرت من الخير ، واحترست من السوء ولكن لا أعلمه فيصبني ما قدر لي من الخير والشر وقيل : إن قوله : { وما مسني السوء } : استئناف إخبار ، و{ السوء } على هذا هو الجنون واتصاله بما قبله أحسن .

{ لقوم يؤمنون } يجوز أن يتعلق ببشير ونذير معا أي : أبشر المؤمنين وأنذرهم ، وخص بهم البشارة والنذارة ، لأنهم هم الذين ينتفعون بها ، ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها ، ويكون المتعلق بنذير محذوف أي : نذير للكافرين ، والأول أحسن .