لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (61)

نفوسُ العابدين قرارُ طاعتهم ، وقلوبُ العارفين قرار معرفتهم ، وأرواح الواجدين قرار محبتهم ، وأسرار الموحِّدين قراب مشاهدتهم ، في أسرارهم أنوار الوصلة وعيون القربة ، وبها يسكن ظمأُ اشتياقهم وهيجانُ قَلَقِهم واحتراقِهم .

{ وَجَعَلَ لَهَا رواسي } من الخوف والرجاء ، والرغبة والرهبة .

ويقال { وَجَعَلَ لَهَا رواسي } اليقين والتوكل .

ويقال الرواسي في الأرض الأبدالُ والأولياء والأوتاد ؛ بهم يديم إمساكَ الأرض ، وببركاتهم يَدْفَعُ عن أهلها البلاء .

ويقال الرواسي هم الأئمة الذين يَهْدُون المسترشدين إلى الله .

قوله جلّ ذكره : { وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَءِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .

{ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً } بين القلب والنفس لئلا يغلب أحدُهما صاحبَه . ويقال بين العبودية وأحكامها ، والحقيقة وأحكامها ، فلو غَلَبَتْ العبوديةُ كان جَحْداً للحقيقة ، ولو غلبت الحقيقةُ العبوديةَ كانت طَيّاً للشريعة .

ويقال : ألْسِنَةُ المريدين مَقَرُّ ذكره ، وأسماعُهم مَحلُّ الإدراك الموصِّل إلى الفهم ، والعيون مقر الاعتبار .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (61)

{ أَمَّن جَعَلَ الارض قَرَاراً } أي جعلها بحيث يستقر عليها الإنسان والدواب بإبداء بعضها من الماء ودحوها وتسويتها حسبما يدور عليه منافعهم فقراراً بمعنى مستقراً لا بمعنى قارة غير مضطربة كما زعم الطبرسي فإن الفائدة على ذلك أتم ، والجعل إن كان تصييرياً فالمنصوبان مفعولان وإلا فالثاني حال مقدرة ، وجملة قوله تعالى : { أَمَّن جَعَلَ } الخ على ما قيل : بدل من قوله سبحانه : { أَمَّنْ خَلَقَ السموات } [ النمل : 60 ] إلى آخر ما بعدها من الجمل الثلاث وحكم الكل واحد ، وقال بعض الأجلة : الأظهر أن كل واحدة منها إضراب وانتقال من التبكيت بما قبلها إلى التبكيت بوجه آخر داخل في الإلزام بجهة من الجهات ، وإلى الإبدال ذهب «صاحب الكشاف » ، وسننقل إن شاء الله تعالى عن «صاحب الكشاف » ما فيه الكشف عن وجهه { وَجَعَلَ * خلالها } أي أوساطها جمع خلل ، وأصله الفرجة بين الشيئين فهو ظرف حل محل الحال من قوله تعالى : { أنهارا } وساغ ذلك مع كونه نكرة لتقدم الحال أو المفعول الثاني لجعل و { لَّكُمْ أَنْهَاراً } هو المفعول الأول ، والمراد بالأنهار ما يجري فيها لا المحل الذي هو الشق أي جعل خلالها أنهاراً جارية تنتفعون بها { وَجَعَلَ لَهَا } أي لصلاح أمرها { رَوَاسِىَ } أي جبالاً ثوابت فإن لها مدخلاً عادياً اقتضته الحكمة في انكشاف المسكون منها وانحفاظها عن الميد بأهلها ؛ وتكون المياه الممدة للأنهار المفضية لنضارتها في حضيضها إلى غير ذلك ، وذكر بعضهم في منفعة الجبال تكوّن المعادن فيها ونبع المنابع من حضيضها ولم يتعرض لمنفعة منعها الأرض عن الحركة والميلان ، وعلل ترك التعرض بأنه لو كان المقصود ذرك لذكر عقب جعل الأرض قراراً ، ومن أنصف رأى أن منع الجبال الأرض عن الحركة والميلان اللذين يخرجان الأرض عن حيز الانتفاع ويجعلان وجودها كعدمها من أهم ما يذكر هنا لأنه مما به صلاح أمرها ورفعة شأنها ، وذكر { لَهَا } دون فيها أو عليها ظاهر في أن المراد ما هو من هذا القبيل من المنافع فتأمل .

وإرجاع ضمير { لَهَا } للأنهار ليكون المعنى وجعل لامدادها رواسي ينبع من حضيضها الماء فيمدها لا يخفى ما فيه { وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين } أي العذب والملح عن الضحاك أو بحري فارس والروح عن الحسن أو بحري العراق والشام عن السدي أبو بحري السماء والأرض عن مجاهد { حَاجِزاً } فاصلاً يمنع من الممازجة ، وقد مر الكلام في تحقيق ذلك فتذكر { أَنَّ مَعَ الله } في الوجود أو في إبداع هذه البدائع على ما مر { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أي شيئاً من الأشياء علماً معتداً به وذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك مع كمال ظهوره .

ومن باب الاشارة : { أَم مَّنْ جَعَلَ الارض } أي أرض النفس قراراً في الجسد { وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً } من دواعي البشرية { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ } من قوى البشرية والحواس { وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين } بحر الروح وبحر النفس { حَاجِزاً } [ النمل : 61 ] وهو القلب