لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا} (14)

لمَّا كانوا مأخوذين عنهم تولَّى الحق - سبحانه - أَنْ قصَّ عنهم ، وفَرْقٌ بين من كان عن نفسه وأوصافه قاصاً ؛ لبقائه في شاهده وكونه غيرَ منتفٍ بجملته . . وبين من كان موصوفاً بواسطة غيره ؛ لفنائه عنه وامتحائه منه وقيام غيره عنه .

ويقال لا تُسَمعُ قصةُ الأحباب أعلى وأَجَلّ مما تُسْمعُ من الأحباب ، قال عزَّ من قائل : { نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ } ، وأنشدوا :

وحَدَّثْتَنِي يا سَعْدُ عنها فَزِدْتني *** حنيناً فَزِدْني من حديثكَ يا سعدُ

قوله : { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ } : يقال إنهم فتية لأنهم آمنوا- على الوهلة - بربِّهم ، آمنوا من غير مهلة ، لمَّا أتتهم دواعي الوصلة .

ويقال فتية لأنهم قاموا لله ، وما استقروا حتى وصلوا إلى الله .

قوله جلّ ذكره : { وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُُوبِهِمْ } .

لاَطفهم بإحضارهم ، ثم كاشفهم في أسرارهم ، بما زاد من أنوارهم ، فلقَّاهم أولاً التبيين ، ثم رقّاهم عن ذلك باليقين .

{ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } : بزيادة اليقين حتى متع نهار معارفهم ، واستضاءت شموسُ تقديرهم ، ولم يَبْقَ للتردد مجالٌ في خواطرهم ، و ( . . . ) في التجريد أسرارهم ، وتَمَّتْ سكينةُ قلوبهم .

ويقال : { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } : بأن أفنيناهم عن الأغيار ، وأغنيناهم عن التفكُّر بما أوليناهم من أنوار التبصُّر .

ويقال ربطنا على قلوبهم بما أسكَنَّا فيها من شواهِدِ الغيب ، فلم تسنح فيها هواجسُ التخمين ولا وساوس الشياطين .

قوله جلّ ذكره : { إِذْ قَامُوا فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ } .

قاموا لله بالله ، ومَنْ قام بالله فُقِدَ عمَّا سوى الله .

ويقال من قام لله لم يقعد حتى يصلَ إلى الله .

ويقال قعدت عنهم الشهوات فَصَحَّ قيامُهم بالله .

قوله جلّ ذكره : { لَن نَدْعُوا مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً } .

مَنْ أحال الشيءَ على الحوادث فقد أشرك بالله ، ومَنْ قال إِنَّ الحوادث من غير الله فقد اتخذ إلهاً مِنْ دون الله .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا} (14)

قوله : ( وربطنا على قلوبهم ) أي ثبتناهم وقويناهم بالصبر على مخالفة قومهم المشركين ومفارقة ما كانوا فيه من النعمة والسعة والعيش الرغيد فرارا بدينهم وخشية الفتنة .

قوله : ( إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها ) ذكر بعض المفسرين أن هؤلاء الفتية كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم ، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه ، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها ، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له دقيانوس وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه . فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم ، والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض . فجعل كل منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية . حتى اجتمعوا كلهم على قدر تحت ظل شجرة . وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان . وقد جاء في حديث البخاري عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : قال رسول الله ( ص ) : " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " {[2777]} . ولما عرف بهم قومهم وشوا بأمرهم إلى الملك فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق ، وأمرهم باتباع دينه وتوعدهم على رفض ذلك بالقتل فقالوا له في عزم وثبات ما قاله الله : ( ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ) ( شططا ) ، منصوب على أنه صفقة لمصدر محذوف ، وتقديره : قولا شططا . وقيل : منصوب بالفعل ( قلنا ) {[2778]} والشطط ، في اللغة ، مجاوزة القدر في كل شيء{[2779]} وهو الجور والظلم . والشطوط ، معناه البعد . واشتط ؛ أي أبعد . والمراد به هنا : الإفراط في الظلم والافتراء ، والإبعاد في الجور والكذب .


[2777]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 74.
[2778]:-البيان لابن الأنباري جـ2 ص 101.
[2779]:- المصباح جـ1 ص 335 ومختار الصحاح 338.