لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا} (40)

أخبر أنه خَلَقَ رجلين جعل لهما جنتين على الوصف الذي ذَكَرَه فَشَكَرَ أحدُهما لخالقِه وكَفَرَ الآخرُ برازقه ، فأصبح الكافرُ وجنَّتُه أصابتها جائحةٌ ، وندم على ما ضَيَّعَه من الشكر ، وتوجَّه عليه اللومُ .

وفي الإشارة يخلق عَبْدَينَ يُطَيِّبُ لهما الوقت ، ويُمَهِّدُ لهما بساط اللطف ، ويمكَّن لهما من البسْط . . فيستقيم أَحَدهُما في الترقي إلى النهاية من مقامات البداية بحُسْن المنازلة وصدق المعاملة ، فتميز له المجاهدةُ ثمراتِ أحسن الأخلاق فيعالجها بحسنِ الاستقامة ثم يتحقق بخصائص الأحوال الصافية ، ثم يُخْتَطَفُ عنها بما يُكاشفُ به من حقائق التوحيد ، ويصبح مُنْتفىً عن جملته باستهلاكه في وجود ما بان له من الحقائق .

والثاني لا يُقَدِّرُ قَدْرَ ما أَهَّلَ له من حُسْن البداية فيرجِعُ إلى مألوفاتِه ، فينتكِسُ أمرُه ، بانحطاطه إلى ذميم عاداته ، فيرتدُّ عن سلوك الطريقة ويتردّى في ظلْمَة الغفلة ؛ فيصيرُ وقتُه ليلاً مظلماً ، ويتطوحُ في أودية التفرقة ، ويُوسَمُ الطرد ، ويُسْقى شرابَ الإهانة ، وينخرطُ في سلك الهَجْرِ . . . وذلك جزاءُ مَنْ لم يَرَهُم الحقُّ لو صلته أَهْلاً ، ولم يجعل لولائهم في التحقيق والقبول أَصْلاً :

تبدَّلَتْ وتبدلنا يا حسرةٌ لِمَنْ *** ابتغى عوضاً لسلمى فلم يَجِدِ

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا} (40)

وجوابه ( فعسى ربي ) في الآية التي بعدها وتقدير . ترني أقل منك مالا . و ( أنا ) ، ضمير فصل لا محل له من الإعراب . وقيل : توكيد للنون والياء{[2818]} . والمعنى : إن كنت تراني ( أقل منك مالا وولدا ) في هذه الدنيا الفانية فلعل الله يعطيني من فضله في الدنيا أو في الآخرة خيرا مما أعطاك . ولعله سبحانه أن يرسل على جنتك هذه ( حسبانا من السماء ) أي عذابا من السماء . وقيل : الحسبان الصواعق . واحدتها حسبانة .

وقيل : الحسبانة السحابة . والمراد : أن يرسل الله من السماء عذابا يأتي على جنتك بالتدمير والتخريب ( فتصبح صعيدا زلقا ) الصعيد ، التراب ، أو وجه الأرض{[2819]} ، و ( زلقا ) أي ملساء لا يثبت عليهم قدم{[2820]} ؛ أي تصبح جنتك أرضا ملساء لا نبات فيها ، ولا يثبت عليها قدم لملامستها .


[2818]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 109.
[2819]:- القاموس المحيط جـ2 ص 318.
[2820]:- مختار الصحاح ص 274.