لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (17)

لا يُدْرَى أيهما أقبح . . هل أعمالكم في عبادة هذه الجمادات أم أقوالكم - فيما تزعمون كذباً - عن هذه الجمادات ؟ وهي لا تملك لكم نفعاً ولا تدفع عنكم ضراً ، ولا تملك لكم خيراً ولا شراً ، ولا تقدر أن تصيبكم بهذا أو ذاك .

وبيَّنَ أنهم في هذا لم يكونوا خالين عن ملاحظة الحظوظ وطلب الأرزاق فقال : { فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ } لتَصِلوا إلى خير الدارْين .

وابتغاءُ الرزق من الله إدامةُ الصلاة ؛ فإن الصلاةَ استفتاحُ بابِ الرزق ، قال تعالى :

{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْئَلُكَ رِزْقاً } [ طه : 132 ] .

ويقال ابتغاء الرزق بشهود موضع الفاقة فعند ذلك تتوجه الرغبة إلى الله تعالى في استجلاب الرزق .

وفي الآية تقديمٌ الرزقُ على الأمر بالعبادة ؛ لأنه لا يُمْكِنه القيام بالعبادة إلا بعد كفاية الأمر ؛ فبالقوة يمكنه أداء العبادة ، وبالرزق يجد القوة ، قالوا :

إذا المرءُ لم يطلب معاشاً لنفسه *** فمكروهَ ما يلقى يكون جزاؤه

{ وَاشْكُرُواْ لَهُ } : حيث كفاكم أمر الرزق حتى تفرغتم لعبادته .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (17)

قوله : { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } الإفك معناه الكذب . ورجل أفاك أي كذاب{[3550]} والمعنى : أنكم ما تعبدون إلا أصناما ، اصطنعتموها أنتم وأوجدتموها فهي مخلوقة ومكذوبة ، وقد سميتموها بأسمائها اختلاقا وإفكا من عند أنفسكم .

قوله : { إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ } يعني أن آلهتكم المزعومة الموهومة التي تعبدونها من دون الله ليست غير أصنام جامدة خرساء لا تملك لكم شيئا ، فلا تقدر أن ترزقكم بل الله هو رازقكم فالتمسوا عنده الرزق { وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي أذعنوا له بالخضوع والطاعة واشكروه على ما رزقكم من مختلف أصناف الرزق ، وعلى ما منَّ به عليكم من وجوه النعم ، وأنكم لا محالة صائرون إلى الله بعد مماتكم ليسألكم عما فعلتموه في حياتكم الدنيا من طاعة أو عصيان .


[3550]:أساس البلاغة ص 19.