هذه الحسنات للظاهر : وأمَّا حسنات القلوب فللواحد مائة إلى أضعاف مضاعفة .
ويقال الحسنة من فضله تعالى تَصْدُر ، وبلطفه تحصل ، فهو يُجْرِي ، ثم يَقْبَلُ ويثني ، ثم يجازي ويُعطي .
ويقال إحسانه - الذي هو التوفيق - يوجِبُ إحسانك الذي هو الوفاق ، وإحسانه - الذي هو خَلق الطاعة - يوجِبُ لك نعت الإحسان الذي هو الطاعة ؛ فالعناءُ منك فِعْلُه والجزاءُ لكَ فَضْلُه .
ويقال إحسان النفوس تَوْفِيَة الخدمة ، وإحسان القلوب حفظ الحرمة ، وإحسان الأرواح مراعاة آداب الحشمة .
ويقال إحسان الظاهر يوجب إحسانه في السرائر فالذي منك مجاهدتُك ، والذي إليك مشاهدتك .
ويقال إحسان الزاهدين ترك الدنيا ، وإحسان المريدين رفض الهوى ، وإحسان العارفين قطع المنى ، وإحسان الموحدين التخلِّي عن الدنيا والعقبى ، والاكتفاء بوجود المولى .
ويقال إحسان المبتدئين الصدق في الطلب ، وإحسان أصحاب النهاية حفظ الأدب ، فشرطُ الطلبِ ألا يبقى ميسورٌ إلاَّ بَذَلْتَه ، وشرط الأدب ألا تسمو لك هِمَّةٌ إلى شيءٍ إلا قطعته وتركته .
ويقال للزهاد والعبَّاد ، وأصحاب الأوراد وأرباب الاجتهاد جزاءٌ محصور معدود ولأهل المواجيد لقاء غير مقطوع ولا ممنوع .
قوله جلّ ذكره : { وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } .
يعني ( يُكالُ ) عليه بالكيل الذي يكيل ، ويُوقَفُ حيث يرضى لنفسه بأن يكون له موقفاً .
بعد أن بين الله في هذه السورة العظيمة أصول الإيمان ، وأقام عليها البراهين ، وفنّد ما يورده الكفار من الشبهات ، ثم ذكر في الوصايا العشر أصول الفضائل والآداب التي يأمر بها الإسلام وما يقابلها من الرذائل والفواحش ، انتقل هنا ليبيّن الجزاء العام على الحسنات : كيف يزيد الله لمن يعملها أضعافا ، فيما يجزي من يعمل السيئة سيئة مثلها فقط وهذا فضل عظيم من رب رحيم .
من عملَ صالحاً يضاعَف له عند ثوابه إلى عشرة أمثاله فضلاً وكرما . وقد جاء في بعض الآيات { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً } . ووعد في بعضها بالمضاعفة إلى سبعمائة ضعف كما في قوله تعالى : { مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ } والعشرة تُعطى لمن أتى بالحسنَة ، أما المضاعفة فوق ذلك فتختلف بحسب ما يكون البذْلُ والعطاء والمنفعلة والمصلحة .
أما من عملَ سيئا فإنه سوف يعاقب بمقدار عصيانه فقط ، ذلك عدلٌ من الله ، وليس هناك ظلمٌ بنقصِ ثواب ، ولا زيادة عقاب .
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله تعالى كتَبَ الحسنات والسيئات ، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملة ، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشرَ حسناتٍ إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة . ومن همّ بسيئةٍ فلم يعملْها كتبها الله حسنة كاملة ، فإن هو همَّ بها فعملَها كتبها الله سيئةً واحدة » .
قرأ يعقوب «عشرةٌ أمثالها » برفع عشرة منونة ، وأمثالها أيضا مرفوعة ، الباقون «عشر أمثالها » .
قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ، أي : له عشر حسنات أمثالها ، وقرأ يعقوب ( عشر ) منون ، ( أمثالها ) بالرفع .
قوله تعالى : { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } . أخبرنا حسان به سعيد المنيعي ، ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، ثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان ، ثنا محمد بن يوسف السلمي ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن همام بن منبه ، ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله عز وجل ) .
وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ثنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، ثنا محمد بن عيسى الجلودي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، ثنا مسلم بن الحجاج ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع ، ثنا الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله تبارك وتعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة بمثلها أو أغفر ، ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً ، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئةً لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة ) .
قال ابن عمر : الآية في غير الصدقات من الحسنات ، فأما الصدقات : تضاعف سبعمائة ضعف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.