استغفروا ربَّكم أولاً ثم توبوا إليه بعده .
والاستغفار طلب المغفرة ، يعني قبل أن تتوبوا اطلبوا منه المغفرة بحسن النَّظرة ، وحَمْل الرجاء والثقة بأنه لا يُخَلِّد العاصِيَ في النار ، فلا محالةَ يُخْرِجُه منها . . . فابْتَدِئوا باستغفاركمْ ، ثم توبوا بِتَرْكِ أوزاركم ، والتَنَقِّي عن إصراركم .
ويقال استغفروا في الحال مما سلف ، ثم إنْ ألْمَمْتُم بزِلَّةٍ أخرى فتوبوا .
ويقال استغفروا في الحال ثم لا تعودوا إلى ارتكاب الزلة فاستديموا التوبة - إلى مآلِكم- مما أسلفتم من قبيح أعمالكم .
ويقال : { اسْتَغْفِرُوا } : الاستغفار هو التوبة ، والتنقي من جميع الذنوب ، ثم " توبوا " منْ تَوَهُّم أنكم تُجابُون بتوبتكم ، بل اعلموا أنه يُجِيبكم بِكَرَمِه لا بأعمالكم .
ويقال " الاستغفار " : طَلبُ حظوظكم مِنْ عَفونا . . فإذا فعلْتُم هذا فتوبوا عن طلب كل حظ ونصيب ، وارجعوا إلينا ، واكتفوا بنا ، راضين بما تحوزونه من التجاوز عنكم أو غير ذلك مما يخرجكم به .
قوله جلّ ذكره { إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعَاً حَسَنَاً إلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً } .
أي نُعَيِّشكم عيشاً طيباً حسناً مباركاً .
ويقال هو إعطاء الكفاية مع زوال الحرص .
ويقال هو ألا يخرجَه إلى مخلوق ، ولا يجعل لأحد عليه مِنَّةً لاسيما للئيم .
ويقال هو أن يوفقه لاصطناع المعروف إلى المستحقين .
ويقال هو أن تُقْضَى على يديه حوائج الناس .
ويقال هو ألا يُلِمَّ في حال شبابه بِزَلَّةٍ ، وألا يتصفَ بأنه عن الله في غفلة .
ويقال هو أن يكون راضياً بما يجري عليه من نَوْعَي العسر واليسر .
قوله جلّ ذكره : { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضَلٍ فَضْلَهُ وَإن تَوَلَّوْا فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } .
مَنْ زادتْ حسناتُه على سيئاتِه أعطاه جزاءَ ما فَضَلَ له من الطاعات ، ومن زادت سيئاته على حسناته كافأه بما يستوجبه من زيادة السيئات . . . هذا بيان التفسير .
ويقال مَنْ فَضَّلَه بحسن توفيقه أوصله إلى ما يستوجبه من لطفه ويزيده . .
ويقال هو أن يستر عليه فضلَه حتى لا يلاحظ حالَه ومقامه ، بل ينظر إلى نفسه ، وما منه ومَا لَه . . . بِعَيْن الاستحقار والاستصغار .
ويقال هو أن يرقيه عن التعريج في أوطان البشرية إلى طاعات شهود الأحدية ، ويُنقيِّه عن ( . . . . . )1 البشرية ، والتكدر بما يبدو من مفاجآت التقدير .
ويقال هو ألا يُوحِشَه شيء بما يجري في الوقت .
ويقال هو أن يُحَقِّقَ له ما تسمو إليه هِمَّتُه ، ويُبَلِّغَه فوق ما يستوجبه محلَّه .
{ 3 } { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ } عن ما صدر منكم من الذنوب { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } فيما تستقبلون من أعماركم ، بالرجوع إليه ، بالإنابة والرجوع عما يكرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه .
ثم ذكر ما يترتب على الاستغفار والتوبة فقال : { يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا } أي : يعطيكم من رزقه ، ما تتمتعون به وتنتفعون .
{ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } أي : إلى وقت وفاتكم { وَيُؤْتِ } منكم { كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } أي : يعطي أهل الإحسان والبر من فضله وبره ، ما هو جزاء لإحسانهم ، من حصول ما يحبون ، ودفع ما يكرهون .
{ وَإِنْ تَوَلَّوْا } عن ما دعوتكم إليه ، بل أعرضتم عنه ، وربما كذبتم به { فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } وهو يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين ، فيجازيهم بأعمالهم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
قوله تعالى : { وأن } ، عطف على الأول ، { استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ، أي : ارجعوا إليه بالطاعة . قال الفراء : { ثم } هنا بمعنى الواو ، أي : وتوبوا إليه ، لأن الاستغفار هو التوبة والتوبة هي الاستغفار . وقيل : أن استغفروا ربكم من المعاصي ثم توبوا إليه في المستأنف . { يمتعكم متاعاً حسناً } ، يعيشكم عيشا حسنا في خفض ودعة وأمن وسعة . قال بعضهم : العيش الحسن هو الرضى بالميسور والصبر على المقدور . { إلى أجل مسمىً } ، إلى حين الموت ، { ويؤت كل ذي فضل فضله } ، أي : ويؤت كل ذي عمل صالح في الدنيا أجره وثوابه في الآخرة . وقال أبو العالية : من كثرت طاعته في الدنيا زادت درجاته في الآخرة في الجنة ، لأن الدرجات تكون بالأعمال . وقال ابن عباس : من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة ، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار ، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف ، ثم يدخل الجنة بعد . وقيل : يؤت كل ذي فضل فضله يعني : من عمل لله عز وجل وفقه الله فيما يستقبل على طاعته . { وإن تولوا } ، أعرضوا ، { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } ، وهو يوم القيامة .
ثم بين - سبحانه - ما يترتب على طاعته من خيرات فقال : { وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
والاستغفار طلب المغفرة والرحمة من الله - تعالى - .
والتوبة : الإِقلاع عن كل ما نهى الله ، مع التصميم على عدم العودة إلى ذلك فى المستقبل .
ويمتعكم : من الإِمتاع ، وأصل الإِمتاع الإِطالة ، ومنه : أمتعنا الله بك أى : أطال لنا بقاءك .
والآية الكريمة معطوفة على قوله - سبحانه - قبل ذلك : " { أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله . . } .
والمعنى : وعليكم - أيها الناس - بعد أن نبذتم كل عبادة لغير الله ، أن تديموا طلب مغفرته ورحمته ، وأن تتوبوا إليه توبة نصوحا ، فإنكم إن فعلتم ذلك { يُمَتِّعْكُمْ } الله - تعالى - { مَّتَاعاً حَسَناً } بأن يبدل خوفكم أمنا ، وفقركم غنى ، وشقاؤكم سعادة .
قوله : { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } أى : إلى نهاية حياتكم التى قدرها الله لكم فى هذه الدنيا .
وقوله : { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } أى : ويعط كل صاحب عمل صالح جزاء عمله .
فالمراد بالفضل الأول : العمل الصالح . والمراد بالفضل الثاني الثواب الجزيل من الله - تعالى - .
فالجملة الكريمة ، وعد كريم عن الله - تعالى - لكل من آمن وعمل صالحا .
وجملة { ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ } معطوفة على استغفروا . و { ثم } هنا على بابها من التراخى ، لأن الإِنسان يستغفر أولا ربه من الذنوب ، ثم يتوب إليه التوبة الصادقة النصوح التى لا رجعة معها إلى ارتكاب الذنوب مرة أخرى .
ووصف المتاع بالحسن ، ليدل على أنه عطاء ليس مشوبا بالمكدرات والمنغصات التى تقلق الإِنسان فى دنياه ، وإنما هو عطاء يجعل المؤمن يتمتع بنعم الله التى أسبغها عليه ، مع المداومة على شكره - سبحانه - على هذه النعم .
قال - تعالى - { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ثم حذر - سبحانه - من الإِعراض عن طاعته فقال : { وَإِن تَوَلَّوْاْ فإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } .
أى : ذكرهم أيها الرسول الكريم بأن فى إخلاصهم العبادة لله ، وفى طاعتهم له ، سعادتهم الدنيوية الأخروية ، وفى إعراضهم عن ذلك شقاؤهم وحلول العذاب بهم .
أى : إن تتولوا - أيها الناس - عن الحق الذى جئتكم به ، فإنى أخاف عليكم عذاب يوم القيامة ، الذى هو عذاب كبير هوله ، عظيم وقعه ، كما أخاف عليكم عذاب الدنيا .
فتنكير { يوم } للتهويل والتعميم ، حتى يشمل عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، حيث إنهم كانوا ينكرون البعث والحساب ، فتخويفهم بالعذابين أزجر لنفوسهم القاسية ، وقلوبهم العاتية .
وفى وصفه بالكبر ، زيادة - أيضا - فى تهويله وشدته ، حتى يثوبوا إلى رشدهم ، ويقلعوا عن غيهم وعنادهم .